ما قاله بالأمس ولمناسبة بدء الصوم الكبير لدى المسيحيين بكل طوائفهم هذه السنة سياسيٌ لا يترك مناسبة إلاّ وتكون له بصمة ونكهة خاصة به، وبأسلوب فكاهي محبب، "أذكر يا لبناني إنك من "الستين" وإلى "الستين ستعود". وما في هذه الطرفة من إستعارة لمشهدية "إثنين الرماد"، إنعكاس لجوًّ سائدٍ وطاغٍ في البلاد وهو لا يبدو غريبًا عما يتمّ تداوله في الجلسات المغلقة، حيث للأمانات مكانة خاصة، مع العلم أن أي سر في لبنان تجاوز إثنين شاع، فكيف إذا كانت الجلسات تضم أكثر من شخصين يضحكون في سرّهم، لعلمهم أن كل ما يحكى عن مشاريع قوانين جديدة لا يبدو كلامًا جدّيًا، أو سيبصر النور، أقله في المدى المنظور، وأن كل الدروب ستوصل الجميع في النهاية إلى طاحونة "الستين"، على رغم غسل الجميع أيديهم "من دم هذا الصدّيق"، وعلى رغم إقتناعهم بأن معظم المشاكل التي تتخبط بها البلاد ناتجة عن هذا القانون، الذي لم ينتج سوى سلطة مفصّلة على مقاس أشخاص محدّدين ومعروفين بالإسم والعنوان والتاريخ.
وما يشي بأن لا شيء سيتغير على أرض الواقع الإنتخابي ما بدأ يتحدث به أكثر من سياسي من أن هامش الوقت آخذ في التلاشي، وأن المتبقي منه لا يسمح للأطراف السياسيين بالإتفاق على ما يمكن إعتباره قواسم مشتركة كمبدأ النسبية مثلًا، الذي لم يبق فريق واحد، أقلّه في الظاهر، إلاّ وطالب بتطبيقها، وذلك إما إقتناعًا منه بأنها السبيل الوحيد لوضع لبنان على سكة العصرنة، وإما لعلمه المسبق أن الذين يطالبون بها علانية ومن فوق السطوح لا يعكسون حقيقة موقفهم المخفي وغير الظاهر، وهذا ما يشتكي منه بعض القيادات السياسية التي تعتبر أن من أسباب الإنهيار الذي يعيشه لبنان أن ما يعلنه بعض السياسيين، وهم الإغلبية، لا يعكس عادة ما يضمرونه أو يفكرون فيه بينهم وبين أنفسهم. وهذا الأمر قد تفضي الإغالة به إلى أسوأ من قانون "الستين"، وهو ما ينسحب ايضًا على مشروع الموازنة العامة وإرتباطها بسلسلة الرتب والرواتب المجمّد الحديث عنها منذ ما يقارب السنتين بحجة عدم توفير ما يسدّ العجز الناتج عن إقرارها.
وما تطيير جلسة مجلس الوزراء بالأمس، وهي كانت مخصصة، من ضمن سلسلة جلسات، لمتابعة درس أرقام الموازنة وما فيها من ضرائب جديدة، سوى عينة عن مدى عدم الجدّية التي لا تزال الطبقة السياسية تتعاطى بها مع أمور بهذه الأهمية كقانون الإنتخابات والموازنة العامة، إلاّ إذا كانت فكرة عدم الإلتزام بميزانية محدّدة وواضحة عادت لتطفو على السطح، وهي الطريقة الأسهل لتمرير ما يجب تمريره من دون إخضاع السلطات المعنية لأي رقابة، لا مسبقة ولا لاحقة، مع ما يعني ذلك من أن شهر العسل الحكومي إنتهى اسرع مما كان يتوقعه الذين ينتظرون "حكومة إستعادة الثقة" على الكوع، وأن الحديث عن إنجازات آتية على الطريق قد تبخّرت قبل أن تبصر النور.
وما بين إثنين الرماد والفصح المجيد خمسون يوم صومٍ، وهو يصادف في 16 نيسان المقبل، أي قبل شهر تقريبًا من الموعد المبدئي لإجراء الإنتخابات النيابية، على أساس القانون النافذ، الذي يعود إليه الجميع تقريبًا، باستثناء تلك القيادات القليلة التي تعلن ما تضمر وليس العكس، وهي لا تزال تحذّر من أن قانون "الستين" سيعيد إنتاج الأزمات نفسها التي أوصلتنا إلى ما وصلنا إليه.