انعقد في العاصمة المصرية، القاهرة، على مدى يومين (28 شباط و1 آذار)، مؤتمر دولي حمل عنوان "الحرية والمواطنة.. التنوع والتكامل" حضرته وفود من 30 دولة تنتمي للمؤسسات السياسية والتشريعية والدينية، الإسلامية والمسيحية، ومؤسسات عالمية، وتمثّل لبنان بوفد كبير ضمّ ممثلاً عن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي، الرئيس أمين الجميّل، الرئيس فؤاد السنيورة، ممثلون عن كل المرجعيات الروحية، ورجال دين، وأكاديميون وخبراء.
وكانت لافتة المشاركة المسيحية المشرقية الواسعة، من لبنان وسوريا والأردن والعراق ومصر إلى جانب ممثلين عن الكنائس العالمية المختلفة.
وناقش المشاركون في المؤتمر الذي دعا إليه الأزهر الشريف (القاهرة) ومجلس حكماء المسلمين (أبو ظبي) قضايا المواطنة والحريات والتنوّع الاجتماعي والثقافي، وركزوا على الأبعاد المشرقية للتجربة العربية الاسلامية والمسيحية في العيش المشترك والمتنوّع، وقضايا هذا العيش ومشكلاته وتحدياته، بهدف النظر في الإمكانات المتجددة للحاضر والمستقبل، والعمل معاّ على التفكير بعقد توافقي جامع ومتكافئ يتمتع بمقتضاه الجميع بالحرية والمسؤولية والانتماء الحرّ، والحقوق الأساسية والرؤية الواعدة للمستقبل... وخلصوا إلى إطلاق وثيقة تأسيسية حملت اسم "إعلان الأزهر للمواطنة والعيش المشترك".
وأكد الإعلان – الوثيقة على أن "مصطلح «المواطنة» هو مصطلحٌ أصيل في الإسلام شعَّت أنوارُه الأولى من دستور المدينة المنورة، وأن المجتمعات العربيّة والإسلامية تمتلكُ تراثًا عريقًا في ممارسة العيش المشترك في المجتمع الواحد"، وشدد على "ضرورة تبنِّي مفاهيم المواطنة والمساواة والحقوق يَستَلزِمُ بالضرورة إدانةَ التصرُّفات التي تتعارَضُ ومبدأ المواطنة من مُمارساتٍ لا تُقِرُّها شريعةُ الإسلام"، كما نص على أن "أولَ عواملِ التماسُكِ وتعزيزِ الإرادة المشتركة يَتمثَّلُ في الدولة الوطنيَّة الدستوريَّة القائمة على مبادئ المواطنة والمساواة وحُكم القانون"، مطالبًا المثقفين والمفكِّرين أن يتنبهوا لخطورة المضيِّ في استخدام مصطلح «الأقليات»، الذي يحمل في طياته معاني التمييز والانفصال بداعي التأكيد على الحقوق.
وشدد الإعلان على أن المسيحيين والمسلمين في المؤتمر يُعلِنون أن الأديان كلها بَراءٌ من الإرهاب بشتى صوره وهم يدينونه أشد الإدانة ويستنكرونه أشد الاستنكار، وأن المجتمعين من مسلمين ومسيحيين يُجدِّدون عهود أُخوَّتِهم، ورفضهم أي محاولات من شأنها التفرقة بينهم، وإظهار أن المسيحيين مُستَهدَفُون في أوطانهم.
وشهدت جلسات المؤتمر تقديم بحوثٌ في قضايا المواطنة، الحرية والتنوع وهوية الجماعات، وتحديات العيش المشترك، والمبادرات الاسلامية والمسيحية في هذا الخصوص، وترسيخ قيم الشراكة، ومواجهة التعصب والتطرف، في ما تطمح الجهات الداعية والمنظمة إلى تحويل مخرجات المؤتمر على 4 مستويات: المستوى القانوني عبر سنّ قوانين تجرّم كل ما يمس بحقوق المواطنة أو ينتقص منها، على المستوى التعليمي عبر إعادة النظر بالمناهج التعليمية وحذف كل ما يحض على الكراهية والتفرقة، وعلى المستوى الديني من خلال ترشيد الخطاب الديني والتركيز على العيش الواحد، وعلى المستوى الإعلامي من خلال سياسات اعلامية تكوّن رأيا عاماً يؤمن بالتساوي في الحقوق والواجبات المشتركة ورفض العنف والتطرف.
وثيقة الأزهر ليست الأولى، هي الخامسة منذ اندلاع ما سُمّي الربيع العربي (2011)، إذ سبقتها أربع وثائق فكرية وثقافية تتصل بمفهوم الدولة، والانتماء الوطني، وحقوق المرأة، ومواجهة التطرف والارهاب، وهي إنما تؤكد ضرورة التصدي لظواهر العنف بالتحليل الفكري، والاتجاه للعمل الإصلاحي والتعاوني مع المسيحيين والمذاهب الاسلامية الأخرى، من أجل التفكير معاً، والتصرف معاً، وتجديد تجارب العيش المشترك والواحد. المهمَّ فيما جرى هذا الإصرار على التصدي والإصلاح وتحمّل المسؤولية، بعد حقبةٍ من الانكفاء أو الانشغال.