لا شيء يمكن أن يعيد إلى ذاكرة المرء وقار أزمنة الأبيض والأسود أكثر من صورةٍ تاريخيّةٍ قُدِّر لها أن ترسم مستقبل لبنان وتحدِّد مصيره خلال المرحلة التي تلت انتهاء ما اتُّفق على تسميته بـ "حرب السنتين" بين عاميْ 1975 و1976، ولا سيّما إذا كانت وجوه الشخصيّات الظاهرة فيها، كالرئيسين كميل شمعون وسليمان فرنجيّة والشيخ بيار الجميّل وغيرهم، ظلّت تشكّل في الزمن اللبنانيّ الجميل التجسيد الأمثل لوقار رجال السياسة وهيبتهم، حتّى وإنْ ارتسمت سمات الامتعاض والوجوم أحيانًا على وجوههم لدى مواجهة المصاعب والتحدّيات في أوقات الشدّة، حسب ما هو واضحٌ وجليٌّ في هذه الصورة، الأمر الذي لا أحد يمكن أن يدرك أسراره وأبعاده أكثر من ذلك الصحافيّ الواقف على جهة اليمين متأهّبًا في بداية حياته المهنيّة قبل قرابة الأربعين عامًا بالتمام والكمال لتلقّف أيّ معلومةٍ مفيدةٍ، ولأخذ أيّ لقطةٍ مميّزةٍ، من شأنها توثيق ذلك الحدث، وهو الصحافيّ الذي يكتب للتوّ هذه السطور، بعدما كان قد كتب يوم السادس والعشرين من شهر آب عام 1977 خبرًا مفاده أنّ بوادر الانقسام الأوّل في وحدة الصفّ المسيحيّ اللبنانيّ أوشكت على أن تظهر بالفعل في المستقبل القريب.
يومذاك، وبحكم عملي بصفة مراسلٍ لجريدة "السفير" في محافظة لبنان الشماليّ، انطلقتُ في الصباح الباكر من طرابلس لتغطية فعاليّات الخلوة الدوريّة التي عقدها أقطاب "الجبهة اللبنانيّة" في قصر الرئيس الراحل سليمان فرنجيّة في إهدن، بينما كانت جهود خَلَفه (الراحل أيضًا) الياس سركيس منصبّةً في قصر بعبدا على محو ما تبقّى من آثارٍ للحرب الأهليّة التي أودت بحياة أربعين ألف ضحيّة من أبناء الوطن والعابثين بأمنه وسيادته على حدٍّ سواء، وذلك استعدادًا للنهوض به مجدَّدًا على أساس مقولة طائر الفينيق المقدّس الذي ينهض دائمًا من رماده، وتماشيًا مع المناخات الإقليميّة والدوليّة التي كانت قد أفضت إلى تكليف "قوّات السلام العربيّة" بمهمّة وضع حدٍّ لهذه الحرب اعتبارًا من تاريخ الرابع والعشرين من شهر تشرين الأوّل عام 1976 وحتّى إشعارٍ آخر، قبل أن يُصار إلى استخدام مصطلح "قوّات الردع العربيّة" في وقتٍ لاحقٍ من ذلك العام، وخصوصًا بعدما انسحبت الوحدات السعوديّة واليمنيّة والليبيّة والسودانيّة المشاركة في "قوّات السلام" بشكلٍ مفاجىءٍ، تاركةً الساحة اللبنانيّة للقوّات السوريّة وحدها، من دون منازعٍ أو مصارعٍ، ومن دون حسيبٍ أو رقيب.
وإذا كان ثمّة من يسأل هنا عن أسباب سمات الامتعاض والوجوم المرتسِمة على وجوه أقطاب "الجبهة اللبنانيّة" أثناء انعقاد خلوة إهدن، فإنّ الجواب يكمُن باختصارٍ في طيّات ما كانت الوقائع الميدانيّة المتزامِنَة مع بدء مرحلة "الاستفراد" السوريّ بالملفّ اللبنانيّ قد خلّفته من تباينٍ في وجهات نظر أولئك الأقطاب حول طبيعة النوايا المبيّتة
عند الرئيس الراحل حافظ الأسد حيال لبنان، ولا سيّما أنّ المسافة الزمنيّة الفاصلة ما بين تاريخ انسحاب الوحدات غير السوريّة من "قوّات السلام العربيّة" وما بين تاريخ انعقاد خلوة إهدن، كانت قد حملت في سياقها ما يكفي من المؤشّرات الأوّليّة على مدى الشراسة الذي يمكن تصل إليه الخطط الاستراتيجيّة الرامية إلى فرض "الوصاية السوريّة" على الساحة اللبنانيّة، وخصوصًا بعد تنفيذ جريمة اغتيال الشهيد كمال جنبلاط في معقل زعامته الوطنيّة والدرزيّة قرب بعقلين يوم السادس عشر من شهر آذار عام 1977، وهي الجريمة التي كان لا بدّ لها، علاوةً على ما تلاها لاحقًا من جرائمَ مماثلةٍ طالت رموزًا وطنيّةً ودينيّةً وإعلاميّةً، من أن تثير استياء المجتمعين في إهدن، تمامًا مثلما كان لا بدّ لها من أن تثير مخاوفهم ممّا يمكن أن يندرج في سياق "الآتي الأعظم"، أو ربّما "الآتي الأظلم"، الأمر الذي تسبّب في المحصّلة النهائيّة بكلّ هذا الامتعاض والوجوم.
لا شكّ في أنّ وقار زمان الأبيض والأسود كان قد ساهم بدوره في دفع أقطاب "الجبهة اللبنانيّة" يومذاك على قطع خلوة إهدن، بغية عقد اجتماعٍ استثنائيٍّ لمواجهة التطوّرات الناجمة عن إصرار دمشق على مواصلة النفخ في "كومة قشّ" الفتنة المارونيّة – الدرزيّة في منطقة الشوف، الأمر الذي سرعان ما أدّى بالتالي إلى اتّساع الفجوة في أوساط المجتمعين ما بين رأيٍ يقول بضرورة إبقاء تحالف الجبهة مع السوريّين قائمًا وما بين رأيٍ آخر يقول بضرورة إيقاف هذا التحالف، قبل أن يصل الأمر في وقتٍ لاحقٍ إلى حدّ استهداف وحدة الصفّ المسيحيّ في الصميم للمرّة الأولى خلال تاريخ لبنان الحديث، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ هذه الوحدة لطالما شكّلت طوق نجاةٍ للجسم اللبنانيّ بأكمله في مواجهة مخاطر الغرق، علاوةً على أنّ الشرخ المسجَّل على خلفيّة انسحاب الرئيس سليمان فرنجيّة من "الجبهة اللبنانيّة"، جرّاء مسلسل عمليّات الاغتيال المتبادلة التي نفّذها أبناء الصفّ الواحد ضدّ بعضهم البعض بين عاميْ 1977 و1978، هي التي فتحت الباب على مصراعيه أمام تمكين السوريّين من فرض نظام وصايتهم طيلة تسعةٍ وعشرين عامًا من الزمان، علمًا أنّ الأمانة الأخلاقيّة تحتّم القول إنّ الرئيس الشهيد بشير الجميّل بذل جهودًا مضنيةً في مجال مواجهة تلك الوصاية والتصدّي لها طيلة حياته.. وما "المناطق المحرَّرة" التي كانت تتّسع لكلّ اللبنانيّين من البربارة شمالًا إلى العدليّة جنوبًا إلّا أكبر دليلٍ على ذلك.
وإذا كان ما تقدَّم لا يستهدف بالطبع الاصطياد في أيّ مياهٍ عكرةٍ بقدر ما يرمي إلى سرد حكاية صورةٍ تاريخيّةٍ تجسِّد إحدى أهمّ مراحل الزمن اللبنانيّ الغابر، ولا سيّما أنّ الانقسام في الرأي حول طبيعة العلاقات اللبنانيّة – السوريّة، أو حول طبيعة العلاقات اللبنانيّة – الفلسطينيّة، أو حول طبيعة العلاقات اللبنانيّة – اللبنانيّة، لم يكفّ عن التفاعل والتفاقم منذ زمان وقار الأبيض والأسود ولغاية زمان بهرجة الألوان المتعدِّدة، فإنّ خلاصة القول منه تتمثّل في ضرورة التأكيد على بديهيّةٍ مؤدّاها أنّ لفضاء ذاكرة الصحافيّ دائمًا سحرُ نجومٍ ونيازكَ وكواكبَ تتألّق بنورها سماوات الأيّام وما تحت أفلاكها، فيصبح وحْي ما يمكن أن يُستحضر من عبق الماضي "سِفر تكوين" الحاضر والمستقبل، ولغة تَخاطبٍ بين ذهول المحتمل الصعب وبهجة الممكن المتوهّج، يتحرّر فيها ظرف الزمان من قيود الأزمنة القاسية، ويُسقِط فيها ظرف المكان عن وجهه كلّ أقنعة الأماكن المستحيلة، لتبقى صفحات دفتر
العمر مشرّعةً في نهاية المطاف أمام أحلى الاحتمالات، حتّى وإنْ لم يعُد متبقيًّا في هذا العمر أكثر ممّا مضى.. والخير دائمًا من وراء القصد.