نحن من نعتبر أنفسنا أولاد مهنة الصحافة لن نهادن ولن نستكين حتى تعود هذه المهنة إلى عصرها الذهبي، وقد سُميّت خطأ السلطة الرابعة، وهي في الحقيقة يمكن إدراجها في الخانات الموازية للسلطات الثلاث، وذلك قبل أن تفقد هذا الدور، وقبل أن يأكل التهالك المبتذل أخضرها قبل يباسها.
لقد رافقنا عصر الصحافة الذهبي، يوم كانت "مانشيت" في صحيفة تهزّ البلد، ويوم كانت تساهم في صناعة السياسات العامة، وفي التأثير إيجابًا على الرأي العام، ويوم كان جميع ملوك ورؤساء الدول العربية ينتظرون الصحف اللبنانية صبيحة كل يوم ليعرفوا حقيقة ما يجري في العالم، وليعرفوا كيف تميل موازين القوى. وعلى اساسها كانت تُبنى السياسات.
ولأنه كان للصحف اللبنانية هذا التأثير كان تسابق على تقديم كل أنواع الدعم لها، فكانت بداية الإنحدار، الذي تحدّث عنه الرئيس الراحل شارل حلو عندما كان يستقبل رؤساء تحرير عدد من الصحف اللبنانية، وأختصرها بتلك الجملة المفيدة والمعبّرة عن واقع ذاك الزمان، حين قال لهم مرحبًّا: أهلًا وسهلًا ببلدكم الثاني لبنان.
وعلى رغم هذا الواقع لم تنحدر الصحافة اللبنانية إلى المستوى الذي وصل إليه إعلامنا اليوم، فبقيت محافظة على رقّي هذه المهنة ولم تتوسل الأساليب المتبعة اليوم لكسب جمهور مزّيف، وسعيًا وراء "رايتنغ" هجين ونسبة مشاهدة عالية لكسب إعلان من هنا وإعلان من هناك، في عملية إستقطابية للإبتذال والترويج لأفكار لا تخدم في النهاية حرية الفكر والتعبير، وهي آيلة إلى الضمور، بإعتبار أن موازين هذه الحرية باتت تعتمد على الترويج لما تتنافس على تظهيره معظم وسائل الإعلام، وذلك لمجاراة مواقع التواصل الإجتماعي، سواء الفردي منها أو الجماعي، حين وضعت نفسها، أي محطات التلفزة، في منافسة غير متكافئة مع هذه المواقع. وبذلك أصبح الجميع أسرى البرامج التي تعتمد على الإيحاءات الجنسية ومسلسلات الفضائح وثقافة الدم، فأستبيحت كل المحرمات وأصبح كل شيء مباحًا.
وبين "البطة"، وهو لقب "زير النساء، الذي جعل منه الإعلام "طاووسًا" أطاح بكل الأعراف والمواثيق، وصار بين لحظة وأخرى "مثالًا" لذكورية مشوهة، وقاضيًا على قوس المحكمة، وطبيبًا يصف الدواء الناجع (CIALIS) لحالات تضاعف من القدرة الذكورية، وسجانًا على حبس النساء، وبين عرض "استربتيز" لرجال يتباهون بالـ BOXER، أصبح الإعلام، وبالأخص المرئي منه، المكان المناسب لتنفيس الكبت الجنسي ولتفجير المواهب الخلاعية، والأخطر من كل ذلك أن هذا الإعلام أصبح ، وكان يقال عنه في الماضي "صحافة صفراء"، مستعدًا لتوسل أغرب الطرق من أجل ضمان أعلى نسبة من المشاهدة، وقد دخلت بعض محطات التلفزة في عملية تنافسية على الأسوأ، وباتت تتسابق في عرض البرامج التي تحتوي على أرقام قياسية من الإيحاءات الجنسية واللعب على الكلمات، وكأنها أصبحت في "بازار" إستهلاكي مبتذل إستقطاب إعلانات غير موجودة، وهي لا تكفي لتغطية مصاريف برنامج واحد من هذه البرامج المكلفة.
بإختصار ومن دون لفّ أو دوران، فإنني أعلنت الحرب على كل إعلام وإعلامي لا يحترم عقول الناس ويستخّف بها. وأدعو جميع الذين يؤيدون وجهة نظري إلى الإنضمام إلى صفوفي لنقف سدًا منيعًا في وجه الإبتذال وفي وجه كل من يحاول أن يجعل من الإعلام مسخرة.