في انتظار موعد الاستفتاء العامّ حول التعديلات التي يُفترض أن تؤدّي إلى منح مؤسّسة الرئاسة التركيّة صلاحيّاتٍ أوسعَ في مجال إدارة شؤون الدولة المقرَّر إجراؤه يوم السادس عشر من شهر نيسان المقبل، يبدو أنّ نسبة التوتّر في العلاقات ما بين أنقرة وما بين غالبيّة عواصم دول الاتّحاد الأوروبيّ ماضيةٌ في أخذ منحاها التصاعديّ يومًا بعد يوم، الأمر الذي كانت آخر تجلّياته قد ظهرت بوضوحٍ نهار أوّل من أمس الجمعة، وخصوصًا بعدما أعلن رئيس الوزراء الهولنديّ مارك روتي أنّ ما يعتزم أنصار الرئيس رجب طيّب أردوغان تنظيمه من حملاتٍ دعائيّةٍ لصالح الاستفتاء في مدينة روتردام بتاريخ الحادي عشر من شهر آذار الحاليّ يأتي في سياق "خطوةٍ غيرِ مرغوبٍ فيها"، وهو الإعلان الذي بدا وكأنّه يتناسق إلى حدّ التوأمة مع مواقف إدارة المستشارة الألمانيّة أنجيلا ميركل التي كانت قد منعت مؤخّرًا تنظيم ثلاثِ حملاتٍ دعائيّةٍ مماثلةٍ في كلٍّ من مدن غاغناو وكولونيا وفريشن، وذلك على خلفيّة الادّعاء بأنّ النُظم القيميّة الأوروبيّة تتنافى مع السماح بالترويج لتعديلاتٍ دستوريّةٍ من شأنها أن تُفضي إلى "تكريس رئيسٍ منتتخَبٍ برتبة ديكتاتور"، على حدّ وصف عددٍ من وسائل الإعلام المحلّيّة.
وإذا كان هذا الوصف قد أدّى إلى قيام الرئيس أردوغان بشنّ هجومٍ عنيفٍ على ألمانيا، متّهمًا إيّاها بـ "إيواء إرهابيّين" ممّن تُدرجُهم أنقرة في خانة "الانفصاليّين الأكراد"، فإنّ الاتّصال الهاتفيّ الذي أجراه البارحة رئيس الوزراء التركيّ بن علي يلدريم مع المستشارة ميركل، جاء في سياق محاولةٍ للحدّ من احتمالات تفاقم الأزمة، ولا سيّما بعدما تمّ الاتّفاق على عقد اجتماعٍ عاجلٍ لمناقشة هذه المسألة بين وزيريْ خارجيّة البلدين في وقتٍ لاحقٍ من الأسبوع المقبل.
ولكن إلى أيّ مدى يا ترى يمكن الإسراف في التفاؤل بأنّ الاجتماع المرتقب سيؤدّي في نهاية المطاف إلى وضع الأزمة التركيّة – الأوروبيّة تحت السيطرة بما يضمن توفير الأجواء المناسِبة للحيلولة دون تفاقمها؟
أغلب الظنّ أنّ الرئيس أردوغان سيمضي قُدمًا حتّى نهاية الشوط في مجال محاولة الاستفادة قدر المستطاع ممّا تمثّله الجالية التركيّة في ألمانيا من حضورٍ لافتٍ ومؤثِّرٍ على الساحة السياسيّة المحلّيّة، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ هذه الجالية التي تضمّ أكثر من ثلاثة ملايين نسمةٍ، وعلاوةً على كونها الأكبر من نوعها في العالم، فإنّ أكثر من نصف عدد أفرادها مسجّلون في لوائح الشطب الألمانيّة باعتبارهم من أصحاب حقّ الاقتراع، الأمر الذي لا بدّ من أن يستوجب إرضاء طموحاتهم القوميّة في أيّ معركةٍ انتخابيّةٍ مقبلةٍ، تمامًا مثلما لا بدّ من أن يشكّل بالتالي ورقةً رابحةً في يد الرئيس أردوغان، تؤهلّه بامتيازٍ للتلويح بها إذا ما قُدِّر للأزمة الحاليّة أن تتفاقم بالفعل.
على هذا الأساس، يصبح في الإمكان وصف كافّة الانتقادات الأوروبيّة الموجَّهة للإدارة التركيّة بخصوص ما تعتزم القيام به، سواءٌ في الاستفتاء العامّ المرتقب أم في الحملات الدعائيّة والترويجيّة له، بأنّها ليست أكثر أو أقلّ من محاولةٍ لإثارةِ زوبعةٍ في فنجانِ قهوةٍ من المقرَّر أن يتناوله الرئيس رجب طيّب أردوغان على مائدة الرئيس فلاديمير بوتين لدى زيارته المقرَّرة لموسكو يوم التاسع من شهر آذار الحاليّ، وخصوصًا في ظلّ التوقّعات القائلة بأنّ هذه الزيارة ستُفضي هذه المرّة إلى إصدار الوثيقة الرسميّة للطلاق التركيّ – الأوروبيّ – الأطلسيّ، وإلى غير رجعةٍ، بما يؤكّد على أنّ حميميّة العلاقات المستجِدّة بين القيادتين الروسيّة والتركيّة، منذ محاولة الانقلاب الفاشلة التي استهدفت الإطاحة بحكم الرئيس أردوغان في شهر تمّوز العام الماضي ولغاية اليوم، ماضيةٌ بالتفاعل والتحسّن والتطوّر، حتّى وإنْ تمّ الترويج مؤخّرًا لمعلوماتٍ مفادها أنّ ثمّة اختلافاتٍ جوهريّةً تستبدّ في الوقت الراهن بوجهات نظر كلٍّ من موسكو وأنقرة حيال كيفيّة التعاطي مع تداعيات الملفّ السوريّ.
وفي هذا السياق، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ عرّاب المصالحة الروسيّة – التركيّة البروفسور ألكسندر دوغين، الذي يوصَف بأنّه "عقل" الرئيس بوتين و"مخطِّط" سياساته الخارجيّة، كان قد أعلن حديثًا أنّ جهوده تتركّز في الوقت الحاليّ على توفير المناخات اللازمة للجمع ما بين المصالح المشترَكة لكلٍّ من روسيا وتركيا مع الولايات المتّحدة الأميركيّة في عهد الرئيس دونالد ترامب، وذلك على خلفيّة تقاطع الفكر مع السياسة، باعتبار أنّ السياسة حرفَةٌ وليست وجهة نظر.
وإذا كانت هذه الجهود كافيةً للدلالة على حجم الهواجس التي تنتاب الأوروبيّين في الوقت الحاليّ، ولا سيّما في ظلّ استعدادات كلٍّ من فرنسا وألمانيا وهولندا لخوض معاركَ انتخابيّةٍ في وقتٍ لاحقٍ من هذا العام، وبالتزامن مع المساعي التي يبذلها البروفسور دوغين لبناء علاقاتٍ مع الأحزاب المعارضة للسلطة في الدول الثلاث، فإنّ ذلك لا بدّ من أن يعكس ارتياحًا داخليًّا تركيًّا في مواجهة أيّ تداعياتٍ محتملةٍ للاستفتاء المقرَّر إجراؤه الشهر المقبل إذا ما تمكّن الرئيس أردوغان من التعاطي بذكاءٍ مع الرياح الروسيّة – الأميركيّة التي تجري بما تشتهيه سفنه محلّيًّا وإقليميًّا ودوليًّا.. وللحديث عن مشروع ألكسندر دوغين بين ضفّتيْ المحيط الأطلسيّ، وفي أوراسيا الجديدة، تتمّة!