بات الجميع مدركاً أن لا عودة إلى الوراء في موضوع سلسلة الرتب والرواتب، التي تنتظر فكّ أسرها منذ خمس سنوات. وللمرة الأولى يسود شعور تفاؤلي بإنّ إقرار السلسلة في اللجان النيابية المشتركة بات قاب قوسين أو أدنى. فما الذي تغيّر وجعل ممثلي الكتل النيابية يبشّرون بقرب إقرار السلسلة، وأين ذهبت الأصوات التي كانت تحذّر من الغلاء وارتفاع الدولار في حال أُقرت السلسلة؟
الإلتزام بسقف 1200 مليار
اتفاقٌ حصل في لجنة المتابعة بألّا تتعدى كلفة السلسلة سقف الـ 1200 مليار التي وضعته الحكومة في احتياط الموازنة، هذا الإتفاق فتح الباب أمام تفاهم على توحيد جداول السلسلة بين ما كان يُعرف بجداول لجنة عدوان وجداول لجنة كنعان. وهذه الجدوال التي لطالما مثّلت إشكالية وتعقيدات، تشمل رتب ورواتب كلّ من العسكريين والإداريين والمعلمين، بما فيها الدرجات، وكيفية توزيع الزيادات، والتطور الذي لحق بالتوظيف والتطويع منذ العام 2014 وحتى اليوم.
لجنة المتابعة التي تضم وزير المال علي حسن خليل والنواب: كنعان وعدوان وعلي فياض وأكرم شهيب وياسين جابر، توصّلت إلى إنجاز "الجدوال المعضلة"، وكان حضر جزءاً من اجتماعاتها وزير الإتصالات جمال الجراح.
اجتماعات لجنة المتابعة بقيت متواصلة على مدى يومين إلى حين موعد عقد جلسة اللجان عصراً، وبنتيجتها طُبعت الجدوال، بحيث وصل كنعان وعدوان سوياً إلى المجلس النيابي وفي جعبتهما الجدوال المنتظرة، وبشّرا بهذا "الإنجاز الكبير"، وذلك بعد مشاركتهما في اجتماع لجنة المتابعة في وزارة المالية، وبعد دقائق قليلة لحق بهما وزير المال، وقدّم عرضاً داخل الجلسة حول هذه الجداول، لتنطلق نقاشاتٌ، معظمها بيزنطي بحسب توصيف أحد الوزراء "يناقش عدد من النواب من دون أن يقرأوا الجدوال". بالمقابل برزت أخطاء في هذه الجداول جعلت النائب الوليد سكرية يخرج منزعجاً من الجلسة ليقول "كلها أخطاء"، ثمّ تنطلق حفلة مشاورات في كواليس المجلس بين عددٍ من النواب لتصويب الأخطاء.
في المحصّلة اجتماع اللجان أقرّ الجداول مع تعديلاتها، ودوزنها ضمن السقف المالي الذي وضعته الحكومة، وبالتالي أُقرّ القسم الأكبر من السلسلة وبقيّ شقّان، الإصلاحات والإيرادات، الأول متعلق بدوام موظفي الإدارات العامة وتحسين أدائهم ووقف التوظيف، والثاني يشتمل على ضرائب، كانت اللجان قد أقرّت معظمها في العام 2014، وبقيت نقطتان عالقتان: tva أي زيادة الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 1 % ، والضريبة على الأملاك البحرية. الزيادة الأولى شبه محسومة "لا امكان لزيادة الإيرادات من دونها، ولن تطال ذوي الدخل المحدود" قال وزير المال. أمّا الأملاك البحرية فهناك تسوية أو معالجة كما سمّاها.
الجلسة عصر اليوم مخصصة لإستكمال ما تبقّى من السلسلة، أي الإصلاحات والإيرادات. والمفعول الرجعي غير وارد وفق المعلومات. أمّا الدرجات فحصلت تسوية بشأنها بحيث أُعطيت 3 درجات للإداريين بدل 4، و3 درجات للأساتذة بدل 6، وسجّل وزير التربية مروان حمادة تحفّظه. أمّا تكلفة سلسلة العسكريين فتمحورت حول 434 مليار، ووقف النواب أمام التفاوت الكبير بين رواتب العسكريين الجنود منهم والضباط، فرُفع راتب الجندي من 655 ألف ليرة عام 2008 إلى 982 ألف ليرة.
إذن الإلتزام بالسقف المالي الذي وضعته الحكومة في موازنتها أتاح إنتاج اتفاقات كانت متعذرة في السابق، مما جعل أحد النواب لا يستبعد أن يتمّ وضع مشروع السلسلة على جدول أعمال الهيئة العامة المرتبقة. إلاّ أنّ فول السلسلة لن يصير بمكيول منتظريها قبل أن تُقر في الهيئة العامة، وفي حال سلكت هذا المسار الإيجابي، يُثبت نواب الأمة للقاصي والداني أنّ الضوء الأخضر السياسي كفيل بتذليل العقبات المزمنة "والمفتعلة" بين ليلة وضحاها، وأنّ ما كان يُحكى عن وضع اقتصادي لا يحتمل إقرار السلسلة، ليس سوى زوبعة في فناجين صراعاتهم، تحضر وتزول غب الطلب.
يبقى أن يسأل موظفو القطاع الخاص، وهم أكثر من نصف الشعب اللبناني، أيّ أعباء سوف تترتب على جيوبهم من جرّاء إقرار سلسلة موظفي القطاع العام ؟ وإن كانت بوادرها "الكارثية" بدأت بالظهور عبر زياداتٍ في أقساط مدارس أولادهم، لم تتأخر أدارات معظم المدارس الخاصة في إعلام الأهل بها، منذ أن اشتمّت رائحة سلسلة.