قد يكون البطريرك الماروني من بين قلائل في لبنان، الذين يعرفون بئر الأزمة الرئاسية وغطاها. الاّ ان ما طرحه غبطته بالأمس لايعكس حقيقة ما يعرفه، وما لا يعرفه غيره.
فهذه الأزمة، كما يعرفها سيد بكركي، وهو الجالس وراء كرسي الاعتراف السياسي، تبدو أكثر تعقيداً من مجرد تقديم كل من 14 و8 آذار أسماء مرشحيهم للرئاسة. ربما هذه النظرية تصح في زمن الديمقراطيات السليمة، لكنها تبدو في زمننا هذا من الطوباويات المستحيلة التحقيق، حيث لا طوباوية في العمل السياسي المتشابكة مصالحه بين الداخل والخارج، وبين رؤية رمال الرئاسة تنساب من راحة اليد، وقد تكون فرصة اخيرة في نظر البعض، وحلما يستعصي على الواقع.
الأزمة الرئاسية مجمدة عند نقطة واحدة وحيدة، وهذا ما يدركه غبطته جيداً، ولكنه لأسباب كثيرة يجانب التطرق اليها بالمباشر، وإن كانت الأحاديث في غرف الصرح تصيبها في العمق، وتسمى الاشياء بأسمائها وتضع الأصبع على الجرح، من دون قفازات ولا مطهرات.
ربّ قائل ان ما يحول دون الإعلان عما يحكى في الخلوات قد تكون له ردات فعل سلبية غير محمودة النتائج، وقد يكون للتجاوب مع نداء النائب مروان حماده انعكاسات خطيرة في الدائرة المارونية، وفي بعض اوساطها. فالبطريرك، كما يقول عارفوه، يريد أن يأكل عنبا وليس قتل الناطور.
ولأنه لا يريد قتل الناطور، والعنب الرئاسي لا يزال حصرما، فهو لا يريد ان يضرس الأبناء مما يأكله الآباء، وأن كان يدرك ان غبار الفراغ سيغطي كرسي بعبدا بالكامل.
وتردّ أوساط بكركي على الذين يطالبونها باتخاذ موقف يتخطى الوجدانيات بأن روما من فوق ليست كما تبدو من تحت. فالراعي (البطريرك) هو راع لكل رعيته، ولا يسعه ان يكون طرفاً في أي خلاف بين أبنائها، وهو لا يقصّر في السعي الى تضييق الشرخ بينهم، وهو الذي بارك التقارب بين "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية"، ولا ينفك على تشجيع الفريقين على المضي قدما في خط التقارب هذا، وتجاوز الماضي، وما فيه من مرارات، وصولاً إلى البحث في عمق الأزمة الرئاسية، وهو حاضر دائماً لمباركة ما يتفقان عليه رئاسياً، ومستعد لتسهيل الطريق أمامهما.
قد تكون طريقة الراعي هذه في مقاربة الأمور واحدة من الطرق التي قد تؤدي ربما يوماً إلى طاحونة بعبدا. مَن يدري؟
("لبنان 24")