علامتان فارقتان سُجِّلتا على هامش المشارَكة اللبنانيّة في الدورة الثامنة والعشرين لقمّة جامعة الدول العربيّة التي اختتمت أعمالها يوم أمس الأربعاء في البحر الميّت في الأردن، تمثّلت الأولى في أنّ الكلمة التي ألقاها الرئيس العماد ميشال عون، وبحسب ما نقلته جريدة "الجمهوريّة" عن مرجعٍ سياسيٍّ كبيرٍ، هي حقًّا بحجم المرحلة، ولا سيّما أنّ هذه هي المرّة الأولى التي لا يطلب فيها لبنان مساعداتٍ ماليّةً من أشقّائه العرب، وكأنّه يقول لهم "لا نريد مالًا لتوطين النازحين السوريّين وإنّما نريد مشروعًا لإعادتهم إلى بلادهم حفاظًا على وحدة سوريا وعلى سلامة لبنان، بينما تمثّلت الثانيّة في أنّ الوفد الرئاسيّ اللبنانيّ، وإنْ لم يكن مدرجًا في أجندة اللقاءات الجانبيّة التي أجراها العاهل السعوديّ الملك سلمان بن عبد العزيز على هامش القمّة، مثل لقائه بالرئيس المصريّ عبدالفتاح السيسي ومن ثمّ برئيس الوزراء العراقيّ حيدر العبادي، إلّا أنّ المفاجأة هنا ظهرت لدى مغادرة رئيس الحكومة سعد الحريري البحر الميّت إلى الرياض مباشَرةً بصحبة العاهل السعوديّ على متن الطائرة الملكيّة، من دون أن يُعرَف على الفور ما إذا كانت هذه الرحلة تحمل أبعادًا سياسيّةً رسميّةً أم إنّها زيارة خاصّة.
لا شكّ في أنّ إصرار معظم القادة العرب المشارِكين في القمّة على اعتماد لغةِ تخاطبٍ هادئةٍ فيما بينهم كان له بالغ الأثر في تسهيل عمليّة التوصّل إلى قراراتٍ تحظى بشبهِ إجماعٍ، الأمر الذي تجلّى في عدم اعتراض لبنان على مسألة "التدخّل الإيرانيّ في الشؤون العربيّة"، ولكن من دون المهادنة على حقّه في أن يتحفّظ عن وصف "حزب الله" بأنّه "جماعة إرهابيّة" حسب ما طلبته الدول الخليجيّة، ولا سيّما أنّ الحزب ممثَّلٌ في مجلس النوّاب كما أنّ لديه وزيرين في الحكومة الحاليّة.
وإذا كان اللافت هنا هو أنّ هذا التحفّظ اللبنانيّ لم يسفر عن إثارة أيّ زوبعة حوله، على غرار ما سبق وأن حدث في مناسباتٍ عربيّةٍ سابقةٍ، فأغلب الظنّ أنّ مردّ ذلك يعود إلى الإصرار على اعتماد لغة التخاطب الهادئة الآنف الذكر، الأمر الذي تجلّى بوضوحٍ من خلال ما شهدناه من أجواءٍ إيجابيّةٍ ومبشِّرةٍ على خلفيّة عودة المياه إلى مجاريها على خطّ الرياض – القاهرة – بغداد، وذلك في سياق رغبةٍ عارمةٍ توحي بأنّ ثمّة توقًا عربيًّا جدّيًّا لإعادة العافية إلى الجسم العربيّ المنهك جرّاء ما شهده من صراعاتٍ وأزماتٍ وويلاتٍ متتاليّة، أملًا في تمكينه من النهوض مجدَّدًا، والسير بثباتٍ إلى الأمام.
وفي هذا السياق، كان لافتًا أيضًا ما نقلته جريدة "الأخبار" اليوم عن مصادرَ ديبلوماسيّةٍ عربيّةٍ عندما قالت إنّ كلمة الرئيس عون لم تمرّ مرور الكرام في جلسة القمّة، "بل تركت تأثيرًا إيجابيًّا لدى رؤساء الوفود الذين اعتبروا أنّ لبنان يجب أن يؤدّي دورًا قياديًّا" في المستقبل، ولا سيّما في هذه الأوقات الحرجة التي تبدو فيها أنظار المجتمع الدوليّ مركَّزة على مراقبة آليّات عمل الدول العربيّة برمتّها، ليس بالضرورة من أجل استقراء ملامح المستقبل السياسيّ والعسكريّ والأمنيّ في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وحدها وحسب، وإنّما لأنّ واقع الحال في ضوء تفشّي ظاهرة الإرهاب ما زال يُثبت يومًا بعد يومٍ أنّ الأمن الدوليّ أصبح مرتبطًا بأكمله بما يجري حاليًّا على الساحة العربيّة، الأمر الذي يفسّر بالتأكيد سرّ اهتمام الأمين العامّ للأمم المتّحدة أنطونيو غوتيريس ومنسّقة السياسة الخارجيّة للاتّحاد الأوروبيّ فيديريكا موغيريني بحضور قمّة البحر الميّت في الأردن.
وإذا كان اثنان لا يختلفان على أنّ أكثر ما يحتاج إليه الوطن العربيّ في هذه الظروف الصعبة هو نموذج لتلاقي الثقافات والحضارات والأديان مثل لبنان، وهو ما يدركه الأميركيّون والأوروبيّون والروس إلى درجة اليقين، ممّا دفعهم على الإجماع على تحييده عن مخاطر الاحتراق بلهيب صراعات المنطقة، فإنّ ما كان محبطًا في موازاة ذلك هو أنّ "مصدرًا قياديًّا" في تحالف "قوى الرابع عشر من آذار"، وبحسب ما نقلته عنه جريدة "الجمهوريّة"، سارع إلى التشكيك بقدرة لبنان على لعب أيّ دورٍ رياديٍّ في المستقبل، وخصوصًا عندما أعاد تدوير الأسطوانة القديمة – المتجدّدة عن طريق القول بتهكّمٍ "إنّ الدولة التي تحتاج إلى وسطاءَ للجمع بين مكوّناتها لا يمكن أن تؤدّي دور الوسيط بين الدول"، غامزًا من قناة أنّ خطاب رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون أمام القمّة العربيّة "يبقى من دون مفاعيلَ سياسيّةٍ"، ومعيدًا إلى الأذهان ما مؤدّاه "أنّ الدول العربيّة تعرف تمامًا أنّ لبنان ليس سيّد قراره، وأنّ إيران تعتبره جزءًا من الدول التي لها فيها وعليها نفوذ كبير، وأنّ قرار المؤسّسات الدستوريّة فيه خاضع لتأثير سلاح حزب الله".. وممّا لا شكّ فيه هو أنّ ما تضمّنته هذه الأسطوانة التي عفا عليها الزمان من كلامٍ، أفضل ما يمكن أن يُقال عنها في الزمان اللبنانيّ الراهن: "يا عيب الشوم".. وخير الكلام ما قلّ ودلّ!