هل يفاجئ الوزير جبران باسيل الجميع فيقرّر ألا يترشّح للانتخابات النيابية المقبلة؟ تفيد معلومات تسرّبت مؤخراً أنّ باسيل الذي لا يزال اقتراحه الأخير في مقدمة مشاريع قوانين الانتخابات النيابية المطروحة للدرس قبل انقضاء مهلة 14 نيسان التي حدّدها الرئيس نبيه برّي للحكومة للبتّ بهذا الموضوع، يبحث جديا في عدم الترشّح في الاستحقاق النيابي المقبل، الى حدّ أنّ بعض القوى السياسية باتت على اقتناع أنّ حظوظ انسحابه من السباق النيابي القادم قد باتت شبه حتمية.
ولصهر العهد سبب، بل أسباب وجيهة للقيام بهكذا خطوة. اذ لا يخفى على أحد أنّ خلف الاستحقاق النيابي القادم معركة رئاسية خفية لعهد مستقبلي يلي العهد الحالي، مفتاحه في الاستحقاق النيابي القادم، وهو سباق مبكر تتبارى فيه ثلاثة أقطاب مسيحية أساسية: باسيل، وحليفه الجديد في الثنائي المسيحي رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، وخصمه السياسي المستجدّ من ضمن الفريق السياسي الواحد النائب سليمان فرنجية.
وكما تقول مصادر عديدة من أوساط سياسية مختلفة، لقد بدا واضحا في شتى الاقتراحات القانونية حول الانتخابات التي تقدّم بها باسيل حتى الآن وخصوصا في آخر هذه المشاريع، أنّ المستهدف الأول هو فرنجية. ولا عجب في ذلك، فالمنافس الأكثر خطورة رئاسيّاً بالنسبة للوزير هو قاطن بنشعي الذي يحظى بدعم من أطراف سياسية عديدة وفي مقدّمتها حزب الله، ما يجعل إضعافه مهمة أساسية في الحسابات الرئاسية المقبلة لباسيل وجعجع على حدّ سواء.
وتأكيداً على هذه الأجواء، فقد وصفت أوساط سياسية في فريق 8 آذار مشروع باسيل الأخير والذي يحظى بدعم القوات بالاستنسابي وغير المنصف، اذ أنّ جزءً من النواب سوف ينتخبون على أساس النسبية والجزء الآخر على أساس النظام الأكثري. وتخوفت الأوساط من وقع هذا المشروع ان صُدّق على بعض الحلفاء وفي مقدّمتهم فرنجية، متوقعة أن يكون لحزب الله ملاحظات عديدة عليه على هذا الأساس، فامّا أن تعدّل صيغته لاراحة حلفاء الحزب وأولهم فرنجية، أو أن يُنسف كليا لتعود عقارب الانتخابات النيابية الى ساعة الصفر.
وباسيل الساعي منذ الآن الى ازاحة المنافسين الرئاسيين لا يبدو متخوّفا من حليفه القواتي، اذ انّ حظوظ جعجع في الرئاسة ليست وفيرة ما دام حزب الله والفريق الشيعي بالاجمال لا يرى فيه مرشّحا مقبولا لقيادة البلاد، وذلك حتى لو كان للحكيم كتلك نيابية واسعة ونفوذ سياسي وازن.
فان نجح باسيل في إضعاف فرنجية سياسيّا وتوكّل على واقع جعجع الصعب شيعياً، لن يبقى أمامه سوى عقبة واحدة يتخطّاها لتحسين حظوظه في الوصول مستقبلاً الى سدّة الرئاسة الأولى، وهي النجاح في الانتخابات النيابية في البترون بعد أن رسب فيها مرّتين. وهو يعي أنّ أي خسارة هذه المرّة سوف تؤثّر مباشرة على مصداقيته السياسية وبالتالي على مساره الرئاسي، كما أنّه متخوّف من أن يستعمل جعجع هذا الواقع ضدّه، أي أن يتخلّى الحكيم عن تحالفه مع الوزير في البترون في اللحظات الأخيرة من الانتخابات النيابية لإضعاف حظوظه بالنجاح.
ولكنّ الوزير الشاب الذي اكتسب حنكة سياسية ملفتة منذ أن دخل ملعب الكبار وبات وجها رائداً في اللعبة السياسية، من غير المتوقع أن يرضى بأن يكون رهينة لأحد في هذه اللعبة حتى ولو للحليف. وقد كان له كلام ملفت في آخر مقابلة تلفزيونية له منذ يومين فُسّر على أنّه رسالة موجهة لجعجع تحديداً، عندما أكّد أنّه لا يمكن لأحد أن يهدّده بيده الضعيفة، أي أنّه لن يسمح بأن تشكّل أيّاً من نقاط ضعفه، كوضعه المتأرجح انتخابيّا في البترون، سلاحاً يستعمله أحد ضدّه.
وما يسعى اليه باسيل عبر مشاريع القوانين التي يطرحها هو تأمين أكبر كتلة نيابية للثنائي المسيحي تكون حصة الأسد منها له ولتيّاره، ما يعطيه هامشا واسعاً من النفوذ والوزن السياسي دون أن يدخل شخصيا الى ساحة النجمة.
وأمام الوزير أكثر من حجّة يستعين بها لتفسير انسحابه من الانتخابات النيابية، أوّلها أنّه رئيس تيار واسع يتطلّب منه التفرّغ له والعمل من أجله. كذلك فهو لن يكون السياسي الوحيد من "الصفّ الأوّل" الذي لم ولن يدخل السباق الانتخابي، فجعجع لم يكن يوما نائباً والزعيم الدرزي وليد جنبلاط كما فرنجية لن يترشّحان في الانتخابات المقبلة، وأمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله ليس نائبا بطبيعة الحال، وحتى الرئيس نبيه برّي لما كان ليقدّم ترشيحه هذه المرّة بتقدير الكثيرين لو لم يكن ملزما بالنيابة ليحلّ رئيساً على المجلس النواب.
واللافت أنّ عدم المشاركة المباشرة لسياسيّي الصف الأول في الحكومات بداية وفي مجلس النواب لاحقا وتدريجيّا، قد بات شبه عرف يتّبعه أقطاب السياسة الواحد تلو الآخر، وكأنّ في ذلك نوع من تثبيت للوجاهة السياسية التي يحلو لأهل الحكم أني يتباهوا بها.
وبناء على كلّ هذه المعطيات، تزداد التأكيدات في الأوساط السياسية المتابعة لموضوع الانتخابات أنّ فكرة عدم ترشّح باسيل للانتخابات النيابية المقبلة قد نضجت الى حدّ بعيد وأنّ حزب القوات اللبنانية قد وُضع في جوّها.