يبدو أنّ الرئيس السوريّ بشّار الأسد كان على حقٍّ بالفعل حينما أعلن قبيل انتهاء العام المنصرم عن أنّ أحد أسباب اندلاع الحرب في بلاده يعود إلى رفضها الموافقة على مقترحٍ يتعلّق بمدِّ خطِّ أنابيبَ لنقل الغاز القطريّ، عبر أراضيها، إلى تركيا، ولا سيّما أنّ فحوى الكلام الذي نقله موقع "سبوتنيك" الإخباريّ الروسيّ نهار أمس السبت عن لسان عضو اللجنة العليا في الحزب الجمهوريّ الأميركيّ هاشم كريّم بدا وكأنّه جاء ليؤكِّد ما بات في حكم المؤكَّد حول هذه المسألة، وخصوصًا بعدما قال بالفم الملآن إنّ الهدف الرئيسيّ وراء الأغراض الأميركيّة في سوريا هو العمل على إيجاد هذا الخطّ بالتحديد، كاشفًا النقاب عن أنّ المنحى العسكريّ الذي يأخذه شكل الحرب الدائرة على الأراضي السوريّة في الوقت الراهن يُخفي وراءه البُعد الاقتصاديّ الأعظم والمتمثّل في السيطرة على الغاز السوريّ، الأمر الذي من شأنه أن يؤدّي في نهاية المطاف إلى إنجاح أهمّ الخطط الاستراتيجيّة التي وضعتها الولايات المتّحدة من أجل إضعافِ روسيا اقتصاديًّا، تمهيدًا لضبطِ إيقاع تحرّكاتها سياسيًّا وعسكريًّا، وهي الخطط التي استوجبت العمل أوّلًا على توفير البدائل اللازمة لمنافسة الغاز الروسيّ في أسواق الطلب الأوروبيّة.
هذا الكلام الواضح والمباشِر، وإنْ كان قد اكتسب أهمّيّته الإعلاميّة على أساس أنّه جاء البارحة بهذه الشفافيّة، وللمرّة الأولى، على لسان مسؤولٍ حزبيٍّ أميركيٍّ، بغضّ النظر عمّا إذا كان ديمقراطيًّا أم جمهوريًّا، إلّا أنّ أهمّيّته الأخلاقيّة البالغة والقصوى، لا بدّ من أنّها تمثّلت أيضًا في كونه أعاد تسليط الضوء مجدَّدًا على أحد العوامل الأساسيّة والحقيقيّة التي تسبَّبت بإراقة الدم السوريّ على هذا النحو من الغزارة منذ ستّة أعوامٍ ولغاية اليوم، أي عامل الغاز، وهو العامل الذي كان لي، على المستوى الشخصيّ، شرف افتتاح موسم الإضاءة عليه منذ ما يزيد عن الثلاث سنواتٍ، بدءًا من برنامج "نهاركم سعيد" الذي استضافتني فيه الزميلة المتألِّقة بعنفوان وطنيّتها ندى أندراوس عزيز على شاشة الـ (LBCI) يوم الرابع والعشرين من شهر كانون الثاني عام 2014، مرورًا بكتابي الصادر في شهر أيلول عام 2015 تحت عنوان "البوتينيّة – أسس العقيدة السياسيّة الروسيّة الحديثة"، وصولًا إلى المحاضرة التي ألقيتُها يوم التاسع من شهر شباط الماضي في مركز "منتديات وقطاعات العزم" في طرابلس تحت عنوان: "الدور الروسيّ في المنطقة.. خلفيّاته وتداعياته".
عقدة الغاز العالميّة
على هذا الأساس، يصبح في الإمكان القول باطمئنانٍ إنّ الحرب الروسيّة على الإرهاب في سوريا اندرجت منذ البداية في سياق خطوةٍ استباقيّةٍ كانت تستهدف إحداثَ نقلةٍ نوعيّةٍ في مجال مواجهة الخطط الأميركيّة الآنفة الذكر، ولا سيّما إذا أعدنا للذاكرة أنّ الرئيس فلاديمير بوتين هو الذي استشعر مسبَقًا خطورة الآتي الأعظم على خلفيّة فجاجة تلك الخطط منذ اليوم الذي افتُتحت فيه دورة الألعاب الأولمبيّة الشهيرة والمبهرة في مدينة سوتشي عام 2014، وخصوصًا عندما قال ما حرفيّته: "لقد بدأوها باكرًا"، وذلك في إشارةٍ إلى توقيت الدعم المادّيّ والمعنويّ الذي شرعت الولايات المتّحدة في تقديمه عن طريق سفيرتها للشؤون الأوروبيّة والآسيويّة فيكتوريا نولاند للحركة الانقلابيّة ضدّ نظام الرئيس فيكتور يانوكوفيتش في أوكرانيا، الأمر الذي استوجب إسراع قيادة الكرملين في الإقدام على إعادة ضمّ شبه جزيرة القرم للسيادة الروسيّة، ومن ثمّ التوجّه في العام التالي إلى سوريا، أملًا في المحافظة على أمن البلاد القوميّ.
وإذا كانت الحالة الانقلابيّة الأوكرانيّة قد شكّلت تحدّيًا مباشِرًا لروسيا عند تخومها الحدوديّة بما استوجب تحرّكها على هذا القدر من الجدّيّة والصرامة في شبه جزيرة القرم، وذلك لأسبابٍ معروفةٍ تتعلّق بحماية قاعدتها البحريّة التاريخيّة المطلّة على البحر الأسود في ميناء سيفاستوبول، فإنّ ثمّة أسبابًا لا تزال موضع جدلٍ حول العوامل التي دفعتها إلى الإسراع في التحرّك على الساحة السوريّة، ولعلّ الأهمّ من بينها لم يأخذ نصيبَه كاملًا من البحث والتدقيق لغاية يومنا الراهن، وهو العامل الذي يتعلّق في أنّ تزامُن انفتاح الغرب الأميركيّ والأوروبيّ على إيران في أعقاب تسوية أزمة برنامجها النوويّ من جهة، مع الهدنة المشبوهة وغير المعلَنة التي لوحِظت أواسط عام 2015 بين جيش الفتح وحزب الله على جبهات القلمون، حيث يقع حقل قارّة للغاز المكتشَفُ عام 2011، من جهةٍ ثانية، كان كفيلًا بإثارة ارتياب موسكو من احتمال أن يؤدّي ذلك إلى تكريس معادلةٍ قديمةٍ سعى إليها الأميركيّون طويلًا، وتقوم على أنّ الغاز القطريّ، زائد غازَ حقل بارس في إيران، زائد غازَ حقل قارّة في سوريا، يساوي ترانزيت في تركيا، قبل أن يصار إلى تصديره إلى دول الاتّحاد الأوروبيّ من أجل منافسة الغاز الروسيّ هناك، علمًا أنّ الارتياب الروسيّ سرعان ما تبدّد، ولو إلى حينٍ، وذلك في أعقاب المباحثات التي أجراها الرئيس بوتين مع كلّ من الرئيس الإيرانيّ حسن روحاني ومرشد الثورة علي خامنئي خلال زيارته لطهران في شهر تشرين الثاني عام 2015، وتحديدًا قبل يومين فقط من قيام المقاتلات التركيّة بإسقاط قاذفة السوخوي الروسيّة فوق الأراضي السوريّة في تلك الخطوة التي فسّرها المراقبون حينذاك بأنّها جاءت للتعبير عن حالة إحباطٍ شديدٍ شهدتها أنقرة، ولا سيّما أنّ الولايات المتحدة لم تدّخر على مدى السنوات الماضية أيّ جهدٍ إلّا وبذلته في مجال العمل على تحويل تركيا إلى "عقدة غازٍ عالميّة" من أجل محاربة الغاز الروسيّ، من دون أن يُكتب لها النجاح في تحقيق ذلك حتّى الآن.
جذور العقدة
في هذا السياق، ولكي ندرك مدى أهميّة الغاز الطبيعيّ في الحسابات الاستراتيجيّة للدول الكبرى المتنافسةِ في هذه الأيّام بين بعضها البعض، سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا، على طول خارطة العالم وعرضها، لا بدّ من العودة قليلًا للانطلاق من ذلك اليوم البعيد من عام 1994، عندما أعلنت الدول الأوروبيّة عن موافقتها على التقيّد والالتزام ببنود "اتّفاقيّة كيوتو" الموقَّعةِ في اليابان قبل ذلك التاريخ بعامين كاملين، والخاصّةِ بالحدّ من خطر الانبعاثات السامّة الناجمة عن دورة حركتها الصناعيّة اليوميّة، بما يضمن الحدّ من تفشّي خطر ظاهرة الاحتباس الحراريّ، وبالتالي الحفاظَ على طبقة الأوزون، الأمر الذي ما لبث أن أدّى إلى إضفاء قيمةٍ إضافيّةٍ على "الذهب الأزرق"، لتطغى أهمّيّته اعتبارًا من ذلك التاريخ على أهمّيّة الحليف التقليديّ لتلك الصناعات، أي النفط.
وإذا كان توقيت هذا الإقرار الأوروبيّ قد تزامَن حينذاك مع وصول الزهوّ الأميركيّ إلى ذروته، على إيقاع ما حملته تداعيات تفكّك الاتّحاد السوفييتيّ من مؤشّراتٍ على خروج موسكو من حلبة النزال مع واشنطن على المسرح الدوليّ، ولو إلى حينٍ، فإنّ الولايات المتّحدة، وعلى خلفيّة إدراكها الكامل لمكامن الغاز الطبيعيّ في كلٍّ من روسيا وإيران، وكذلك في الدول المجاورةِ لهما، أو الواقعةِ تحت نفوذِهما، سرعان ما شرعت في العمل على استهداف ما تبقّى من نفوذٍ روسيٍّ في العالم عن طريق إشعال كلٍّ من حرب البوسنة في يوغسلافيا (1992 – 1995) وحرب الشيشان الأولى في شمال القوقاز (1994 – 1996)، سعيًا إلى توفير الأرضيّة الأمثل التي تؤهّلها للتحكّم بمسارات خطوط أنابيب الغاز من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، وذلك بالتزامُن مع ترسيم الحدود القطريّة – الإيرانيّة في أعقاب وصول الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني إلى السلطة عام 1995، والبدءِ باستخراج الغاز القطريّ، ومن ثمّ بتسييله لنقله إلى الأسواق الأوروبيّة، أملًا في منافسة الغاز الروسيّ.
أوكار الدبابير
في أعقاب هاتين الخطوتين الهامّتين، وعلى رغم أنّهما أدّتا إلى تحريك أوكار دبابير الجماعات الإسلاميّة المتطرّفة ذات النزعات الانفصاليّة الواضحة في كلٍّ من يوغسلافيا السابقة والشيشان، فقد كان لا بدّ للولايات المتّحدة من أن تتّخذ المزيد من الإجراءات في أماكنَ أخرى من العالم، إذا ما أرادت أن توفّر لنفسها شروط النجاح في مجال منافسة الغاز الروسيّ في أوروبا، الأمر الذي وضعها أمام الحاجة إلى دراسة خرائط هذا "الذهبِ الأزرقِ" في كلٍّ من كازاخستان وتركمانستان وأذربيجان وإيران ومصر، إضافةً إلى الحقول المكتشَفةِ على ساحل البحر الأبيض المتوسّط بين إسرائيل ولبنان وقبرص، بما من شأنه أن يؤدّي إلى توجيه ضربةٍ موجعةٍ لطموحات شركة "غازبروم" الفتيّة التي كانت قد تأسّست في ذلك الوقت من عام 1996.
وعلى هذا الأساس، ونظرًا لأنّ التقديراتِ الأميركيّةَ كانت تشير إلى أنّ بدء الاستثمار في حقول المتوسّط يحتاج إلى سلامٍ دائمٍ في منطقة الشرق الأوسط، وأنّ تحقيق ذلك يستوجب الحدَّ أوّلًا من قدرات محور المقاومة في لبنان، فقد بدأت عمليّة "عناقيد الغضب" الإسرائيليّةُ في شهر نيسان عام 1996 في إطار مسعىً يهدف إلى إلحاق الهزيمة بـ "حزب الله"، وبالتالي إلى التمهيد لفرض اتّفاق سلامٍ مع لبنان، بما يضمن تأمين المناخ الأرضيّ اللازم لإمدادات الغاز المطلوبة.
ولكنّ الفشل الذريع الذي مُنِيت به هذه العمليّة أدّى وقتذاك إلى ظهور نتائجَ عكسيّةٍ، ولا سيّما أنّ الاتّفاق الذي تمّ التوصّل إليه برعايةٍ أميركيّةٍ بين لبنان وإسرائيل في أعقاب ثمانمئةٍ وثلاثٍ وثمانين غارةً جويّةً إسرائيليّةً شُنّت بين الحادي عشر والخامس والعشرين من نيسان عام 1996 على أراضي الجنوب اللبنانيّ، قلب دفّة الموازين لصالح الحكومة اللبنانيّة، وشرعَن المقاومة وسلاحها، وأرغم الدولة العبريّة، للمرّة الأولى في تاريخها، على الالتزام به، إلى أن تمّ تحرير الجنوب نهائيًّا (باستثناء مزارع شبعا المُختَلَف على هويّتها بين لبنان وسوريا وإسرائيل) في الخامس والعشرين من أيّار عام 2000، أي في نفس العام الذي وصل فيه فلاديمير بوتين إلى الحكم في قصر الكرملين، وذلك من قبيل الصدفة لا أكثر.
روسيا.. وربيع العرب
لا شكّ في أنّ التعديلات التي أدخلتها الإدارة الروسيّة الجديدة وقتذاك على مسارات سياساتها الداخليّة والخارجيّة، ظلّت تشكّل حافزًا لسكّان البيت الأبيض للذهاب إلى أقصى الدرجات في تبنّي أكثر الخطط دهاءً من أجل تضييق الخناق على روسيا، والحيلولةِ دون نهوضها من جديد، الأمر الذي ينطبق على إشعال حرب كوسوفو في بدايات عام 1999 وحرب الشيشان الثانية في نهاياته، وكذلك على الثورات الملوّنة التي دعمها الأميركيّون طيلة سنوات العقد الأوّل من الألفيّة الثالثة في كلٍّ من أوكرانيا وجورجيا وقيرغيزيا، وهي الفترة التي شهدت فيها منطقة الشرق الأوسط أيضًا حرب تمّوز 2006.
من هنا، يصبح في الإمكان تفهّمُ الأسبابِ التي دفعت روسيا إلى التركيز في لغة تخاطبها مع الشعوب والحكومات العربيّة في غمرة تداعيات فورة "ربيع العرب" على لفت انتباههم إلى أنّ أيديولوجيّة الانفصال التي راح الغرب يسوّقها باعتبارها موضة العصر، ما هي إلّا البوّابة الجديدة التي يعتمدها الاستعمار الأميركيّ الجديد لفرض السيطرة على العالم العربيّ، وذلك بهدف استنزاف ثرواته الطبيعيّة التي يعتبرها الغرب المحرّك الأساسيّ لثورته الصناعيّة.
وفي هذا السياق، لا بدّ من الإشارة أيضًا إلى أنّه إذا كان الترتيب العالميّ للغاز قد ظلّ يتأرجح خلال السنوات الأخيرة من القرن العشرين ما بين روسيا وتركمانستان وآذربيجان وجورجيا وإيران وقطر، فإنّ الدراساتِ المختصّةَ راحت تتحدّث منذ بداية الألفيّة الثالثة عن ترتيبٍ جديدٍ يقرّه واقعُ المخزون الاستراتيجيّ الحاليّ، حيث تحتلّ روسيا المرتبة الأولى باحتياطيٍّ يُقدّر بستّمئةٍ وثلاثةٍ وأربعينَ تريليونِ قدمٍ مكعّبٍ، تليها السعوديّة في المرتبة الثانية من خلال احتياطيٍّ يُقدّر بأربعمئةٍ وستّةٍ وعشرينَ تريليونِ قدمٍ مكعّبٍ في الربع الخالي، ومئتينِ وسبعةٍ وعشرينَ تريليونِ قدمٍ مكعّبٍ في حقل "غوار" الكبير شمالَ شرقيّ المملكة، ليأتي غاز البحر الأبيض المتوسّط في المرتبة الثالثة من خلال احتياطيٍّ يُقدّر بثلاثمئةٍ وخمسةٍ وأربعينَ تريليونِ قدمٍ مكعّبٍ، إضافةً إلى خمسةِ ملياراتٍ وتسعمئةِ مليونِ برميلٍ من الغازات السائلة، ومليارٍ وسبعمئةِ مليونِ برميلٍ من النفط، ومن ثمّ يأتي في المرتبة الرابعة حزام "زاغروس" على امتداد الخليج العربيّ من إيران إلى العراق، من خلال احتياطيٍّ يُقدّر بمئتينِ واثنيْ عشرَ تريليونِ قدمٍ مكعّب.
ولعلّ اللافت في هذه الدراسات هو أنّها أشارت إلى أنّ "حقل قارّة" في سوريا يمكن أن يوفّر أكثر من أربعمئةِ ألفِ مترٍ مكعّبٍ من الغاز يوميًّا، الأمر الذي يُفترَض أن يؤهّل هذه الدولة لكي تحتلّ المرتبة الأولى في الترتيب العالميّ للغاز إذا ما تبقّى فيها حجرٌ على حجرٍ في المستقبل القريب.. وهذه عبرةٌ مؤثِّرةٌ ينبغي على المسؤولين اللبنانيّين الامتثالَ بها، بكلّ ما تعنيه الكلمة من معنى، لدى التطرّق إلى معالجة تفاصيل ملفّ الغاز العظيم.. وما على الرسول إلّا البلاغ.