على الأرجح، بتنا مجمعين على أنّ المأساة الحقيقية والأساسية لا تكمن في كيفية موت الشعب السوري، بل في أنه يموت قتلاً. لا يمكن أن يكون للموت مميّزات تفاضلية، كأن تُذرف دمعة على طفل مات ببرميل مُتفجّر، ودمعتان على صغير تعذّب لدقائق قبل أن يموت خنقاً بغاز السارين، أو بالعكس.
لكنّ طبيعتنا البشرية تجعلنا أكثر تأثراً وتفاعلاً مع الحالات النافرة، أو تلك التي تحتمل صوغ سيناريو يحاكي لحظات ما قبل الموت، وبالأخص:الموت قتلاً. على هذا النحو ربما، تدفعنا مجزرة تمّ فيها استخدام الكيماوي إلى خضّ الضمائر والشعور بالغضب العارم والحزن الشديد، إذ نسأل: كم من الوقت ظلّت حنجرة ذاك الصبي تعتصر اختناقاً، بل تستجدي هواء، قبل خروج الروح من الجسد؟ وما هو حقاً شعور إنسان فيما يواجه الموت بأمّ العين؟ بماذا يفكّر في تلك الدقائق، وهل أصلاً يبقى دماغه يشتغل في حضرة السارين؟! وأيهما يوجع أكثر: تخبّط الجسد الواهن على أرض ملتهبة أم تلك الأصوات التي ترجو المساعدة وتتوّسل المنقذين؟!
وإذا كان من واقعية أو منطق أو حقيقة في سلوك البشر المتباين إزاء "أنواع" الموت على قاعدة أنه حُكماً أقسى حين يعقب عذابات جسدية ونفسية رهيبة، فإن ثمة سلوكيات أخرى غير مفهومة ولا مُبررة، بل نافرة إن لم نقل خبيثة وتوازي الإجرام الذي ترتكبه أدوات الشرّ. مثلاً، كأن تظلّ الحياة en rose طالما أنّ لا صور أو فيديوهات تُبثّ على وسائل التواصل والإعلام، توثيقاً للحرب والموت. هل باتت الحرب تستوجب أدلّة قاطعة ودامغة للاعتراف بها وبنشوبها واستمرارها، والأهمّ: للعمل على وقفها؟! ماذا يعني أن "تقوم الدنيا ولا تقعد" وسط موجة من الاستنكارات والشجب والإدانة، بشكل مرحليّ يعقب تداول صورة لطفلة مهمشة من هنا أو صغير قذفته أمواج البحر الذي ابتلعه من هناك، فيما تخفت الأصوات في بقية الأيام التي تشهد بدورها على عمليات حفر القبور بشكل متواصل؟!
ومثلاً، أن يستنفر البعض لإنكار حصول المجازر والموت المجانيّ المجنون، رغم توافر الصور والمقاطع المصوّرة والتوثيقات؟! ماذا يعني هذا "السلوك"، (وهو غير مستجدّ إذ إن المجازر والمآسي لطالما تمّ التشكيك بها وإنكارها تاريخياً وعلى مستوى العالم)، وبخاصة حينما يُتبّع في عصرنا الحالي، الرقمي والمتطوّر تكنولوجياً؟! هناك طبعاً من يسيء إلى الحقيقة عبر نشره، عن قصد أو غير قصد، صوراً يدعي أنها تعود إلى ضحايا الحرب في سوريا، تماماً مثلما حصل مع صورة فتاة قيل انها التقطت في خان شيخون، ليتبيّن لاحقاً أنها تعود إلى رسام تركي يدعى Mustafa YÜCE. لكن هذا هذا يبرر إنكار حصول المجزرة بشكل قاطع تحت عنوان "التضليل الإعلاميّ"؟! إذا كان الأمر كذلك، فالدعوة مفتوحة أمام جميع رساميّ العالم لرسم صورة التوأم في حضن الوالد المفجوع! يا الله، هل يعقل أن يكون هذا الوالد كاذباً، فيما يعترف بالصوت والصورة: "أطفالي أنا مو أول أطفال بيستشهدوا...صحيح حلوين كثير...هني وأمن"! هل يمكن أن تكون مسرحية يؤديها بدقة فوق تراب يحتضن صغيريه الرضيعين وزوجته وأفراد عائلته؟!
ومثلاً أيضاً، أن ترتبط فظاعة الحرب بعدد الضحايا فقط! فإن قُتل عشرة أشخاص، يمرّ الخبر مرور الكرام. ومتى تفاقم العدد، صارت الحرب مستشرية، تستحق الصدارة! أن يكون ملايين الأشخاص لاجئين ومشردين ومسلوبي الحاضر والمستقبل، أمراً عاديّا لا يستأهل استنفاراً شاملاً لوقف الحرب، فيما تهتزّ المنابر لأن "سلاحاً كيماوياً" استُعمل...فهذا مستغرب بعض الشيء!
ومثلاً، أن تنقسم "الآراء" اليوم بين مؤيد للضربة الأميركية على مطار تابع لقوات النظام في سوريا، وبين شاجب لهذا التدخل العسكري، دون أي تحسس لواقع يزداد دموية وعنفاً، معبداً الطريق أمام مستقبل فظيع حيث دول المنطقة مقسمة ومفككة ومتحاربة...فهذا ما يُشبه حقن الإنسانية بغاز السارين!
المطلوب واحد. الخلاص واضح. فليُفرض السلام، بغصن زيتون...وقرارات سياسية تأخذ بمصلحة الإنسان أولاً وأخيراً…