يبدو أن انفراجاً ما سوف يحلّ قريباً على المشاورات القائمة حول قانون الانتخاب، بحسب ما تروّج له بعض الأوساط السياسية الرفيعة المتابعة للموضوع. وإذ يلاحظ البعض أنّ اللجنة الرباعية التي كانت قد ألّفت لمتابعة الموضوع قد سجلت فشلها، ما أدّى الى تحويل الملف برمّته الى الحكومة كي تشارك جميع الأطراف النافذة في القرار النهائي حول هذه المسألة، يتفاءل مصدر رفيع قريب من العهد بأن لا بدّ للقانون من أن ينجز قريبا.
وإذا صدقت هذه التوقعات، فلا بدّ من أن يأتي الحلّ المرجو عن طريق صيغة وسطيّة تقبل بها الجهات المتنازعة كافة، ترتكز على النسبية الكاملة التي يصرّ عليها "حزب الله"، ولكن ليس على مستوى لبنان دائرة واحدة كما يطمح اليه الحزب والطرف الشيعي بالإجمال، بل على أساس تقسيمات انتخابية متوسطة الحجم بصيغة تبقي للصوت التفضيلي وزنه في المعادلة الانتخابية.
وتشرح المصادر الرفيعة بأنّ النسبية على أساس دوائر متوسطة (بين الـ١٢ والـ١٥ دائرة) هو طرح سوف تتقبّله وتقبل به الطبقة الحاكمة المنحدرة من نظام أكثري، فهي لن تتخوّف من هكذا مشروع كما من التغيّير الجذري الذي يفضي اليه مشروع النسبية على أساس الدائرة الواحدة لكلّ لبنان، والذي يتطلّب أن تتحضر له الأطراف السياسية والأحزاب كافة قبل إقراره. ومن ناحية أخرى، من شأن هكذا قانون أيضاً أن يحمي بعض الأفرقاء من المحادل السياسية والطائفية، وأن يضمن الإنصاف بين جميع المرشحين على عكس بعض المشاريع المختلطة التي تقدّمت بها الجهات المعنية في الآونة الأخيرة.
الّا أنّ عقبات عديدة لا تزال في انتظار التوصل الى حلّ في هذا الاطار، ليس أقلّها ما يحكى عن رفض باسيل وحزب "القوات اللبنانية" للنسبية، أقلّه النسبية الكاملة، وانحيازهم غير المعلن للنظام الأكثري الذي قد يؤمن للفريقين كتلة نيابية واسعة يكون وزنها ثقيلا في المجلس النيابي المقبل وفي أي قرار يتخذه هذا المجلس لاحقاً.
وتبقى المهل هي العامل الأكثر تأثيراً على مجرى الأمور وعلى المنحى التي سوف تتبعها التطورات المتسارعة على هذا المسار، إذ من المنتظر أن يترك رئيس مجلس النواب نبيه برّي لنفسه ولمجلسه متّسعاً كافياً من الوقت لدعوة النواب الى جلسة تمديد في حال لم يتمّ التوافق على قانون بالرغم من الأجواء التفاؤلية التي تسود في بعض الأوساط السياسية، علما أنّ الدورة العادية للمجلس تنتهي في آخر أيار، وأنّ فتح أي دورة استثنائية يجب أن يدعو اليها رئيس الجمهورية الرافض أصلا لمبدأ التمديد، فلا بدّ لأي مشروع قانون، أكان مشروع قانون انتخاب أو طرح لتمديد ولاية المجلس، أن يقرّ قبل هذه المهلة، وأيضاً قبل انقضاء المهلة الدستورية التي تعطي رئيس البلاد فترة ثلاثين يوما لردّ المشاريع التي لا يوافق عليها. وإذا حصل ذلك فعلى رئيس المجلس أن يدعو النواب لمناقشة المشروع مجدّدا على ضوء ملاحظات رئيس البلاد، فاذا أصرّ عليه مجلس النواب، أصبح المشروع نافذاً متى حاز على أصوات نصف النواب زائد واحد.
وبناء عليه، لا يمكن لرئيس المجلس ألّا أن يدعو إلى جلسة تمديد إذا هو أراد أن يتفادى الوقوع في فراغ نيابي في حال لم يتمّ الاتفاق على قانون انتخاب في الأيام المقبلة، وذلك تجنّباً لانقضاء المهل الدستورية قبل تأمين الاستمرارية في المؤسسة التشريعية. فامّا أن يسبق هذا التحرك إقرار مفاجئ لقانون جديد على أساس النسبية كما يصرّ عليه الطرف الشيعي بتقسيمات انتخابية مقبولة من الجميع، فتأتي مفاجأة القانون العتيد ربّما قبل عيد الفصح تماماً كما تمّ تشكيل الحكومة الحالية في ومضة قبل عيد الميلاد. أم أنّ التمديد، لا التقني ولا السياسي، بل "القسري"، كما نعته مصدر نيابي شيعي، حاصل لا مفرّ. وبحسب هذا المصدر، فـ"حزب الله" على استعداد للتمديد سنة وسنتين وثلاثة للمجلس إذا لم يتوافّر أي حلّ آخر، بدلا من السير بقانون جديد لا يعتمد النسبية، اذ أنّ أي قانون يصدّق اليوم سوف يعتمد لدورات انتخابية عديدة وليس فقط في الاستحقاق النيابي المقبل، نظرا إلى صعوبة الاتفاق على مسألة معقدة ومتشعبة من هذا النوع، ومن هنا إصرار الحزب على صيغة انتخابية تكون ضمانة لحلفائه على المدى الطويل.
والتمديد للمجلس في غياب قانون جديد يؤدي الى اعتماد قانون الستين. فإنذا طعن عون بقانون التمديد كما هو متوقّع وقبل المجلس الدستوري هذا الطعن، لا بدّ من أن يرفق قبوله بدعوة لإجراء الانتخابات النيابية على أساس القانون الساري، وهو قانون الستين. وكون المجلس الدستوري هو أعلى سلطة لتفسير القوانين والدستور، لن يكون التنكّر لقراره أمرا سهلاً.
ومن هنا، يبدو أنّ باب المقايضة قد فتح أمام أهل الحكم بين التمديد للمجلس وقيام انتخابات على قانون الستين في هذه المرحلة من جهة، لقاء إقرار قانون النسبية الكاملة في وقت قريب من جهة أخرى، على أن يطّبق في مرحلة لاحقة.