تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

مقالات لبنان24

عاصفةُ الـ "توماهوك".. ومفاعيلُ "أسلحةِ الدمارِ الفاشل"!

جمال دملج

|
Lebanon 24
09-04-2017 | 09:04
A-
A+
عاصفةُ الـ "توماهوك".. ومفاعيلُ "أسلحةِ الدمارِ الفاشل"!
عاصفةُ الـ "توماهوك".. ومفاعيلُ "أسلحةِ الدمارِ الفاشل"! photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
يُحكى أنّ في المدرسة الاستخباراتيّة السوفييتيّة العريقة التي تربّى الرئيس فلاديمير بوتين خلف مقاعدها، ونشأ بين أروقتها، واحترف العمل الأمنيّ في ميادين عمليّاتها السرّيّة الواسعة والمترامية الأطراف، ثمّة قاعدةٌ أساسيّةٌ جرت العادة على استخدامها بنجاحٍ لدى التعاطي مع مَن يُشتبه في صدقيّة نواياهم ومواقفهم وتوجّهاتهم حيال أمن الدولة، سواءٌ في الداخل أم في الخارج، وتقوم على مبدأ الإفراط في الإيحاء لهم من بعيدٍ بأنّ لا شبهاتٍ تحوم حولهم بأيّ شكلٍ من الأشكال، وفقًا لخطواتٍ وخططٍ ومناهجَ مدروسةٍ بدقّةٍ متناهيةٍ، الأمر الذي لا بدّ من أن يُفسح المجال أمامهم للتحرّك على سجيّتهم بحرّيّةٍ تامّةٍ، على خلفيّة شعورهم المتنامي تدريجيًّا بالاطمئنان، وبما من شأنه أن يؤدّي في نهاية المطاف إلى تمكين الجهاز الاستخباراتيّ الراصِد من القطع ما بين الشكّ وما بين اليقين في مجال تحديد المواصفات النهائيّة لطبيعة أهوائهم وأهدافهم، قبل أن يُصار لاحقًا إلى البناء على الشيء مقتضاه. لا شكّ في أنّ زمان الـ "كي جي بي"، وإنْ كان قد أصبح جزءًا من الماضي إثر تفكّك الاتّحاد السوفييتيّ في مطلع عقد التسعينيّات من القرن الماضي، إلّا أنّ ذلك لا يعني بالضرورة أنّ السنوات الطويلة الماضية أدّت إلى شطبه من الذاكرة الوطنيّة الروسيّة، بل على العكس تمامًا، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ أسس القاعدة الاستخباراتيّة الآنفة الذكر، مثلًا، ظلّت حاضرةً بفاعليّةٍ لدى وضع الخطط اللازمة لتحصين الأمن القوميّ الروسيّ كلّما اقتضى الأمر إدخال أيّ تعديلٍ عليها، علاوةً على أنّها أُسقِطَت لاحقًا على قواعد العمل الديبلوماسيّ في وزارة الخارجيّة، نظرًا لجدارتها في استبيان الفوارق ما بين ملامح الصديق وما بين ملامح العدوّ، الأمر الذي يفسِّر سبب تمايز الديبلوماسيّة الروسيّة بهدوئها ورصانتها ولياقتها، حتّى في أوقات الشدّة، وذلك من خلال الاعتماد على سياسة النفَس الطويل مع الأصدقاء المفترَضين ومع الأعداء المحتمَلين على حدٍّ سواء. بين الكرملين والبيت الأبيض على هذا الأساس، يصبح في الإمكان القول بنزاهةٍ إنّ أسلوب تعاطي الرئيس بوتين مع ثلاثةٍ من نظرائه الأميركيّين ممّن عاصرهم خلال ولاياته الرئاسيّة المتتالية منذ مطلع الألفيّة الثالثة ولغاية يومنا الراهن، بدءًا من بيل كلينتون، مرورًا بجورج دبليو بوش ومن ثمّ بباراك أوباما، ووصولًا إلى دونالد ترامب، ظلّ خاضعًا على الدوام لما تقتضيه أصول انتهاج سياسة النفَس الطويل، ولكن من دون أن يهادن يومًا على حقّ بلاده في القيام بنقلاتٍ نوعيّةٍ على المسرح الدوليّ، بما يتلاءم مع طبيعة المحاولات المتكرِّرة التي بذلتها الإدارات المتعاقبة على البيت الأبيض لاستهداف أمن روسيا القوميّ، سواءٌ عن طريق السعي إلى إقامة منظومات الدفاع الصاروخيّة الأميركيّة في مجالاتها الحيويّة أم عن طريق إشعال ودعم الثورات الملوَّنة عند تخومها الحدوديّة، قبل أن يضطرّ إلى التحوُّل من طور الدفاع التقليديّ إلى طور الهجوم الاستباقيّ، للمرّة الأولى منذ دخوله إلى قصر الكرملين، وذلك في أعقاب ما أطلقته شطحاتُ أوباما من نذائرَ خطيرةٍ في أوكرانيا عام 2014، وما كان يُتوقَّع أن يندرج في سياق الآتي الأخطر على خلفيّة شطحاتٍ مماثلةٍ خَطّطت لها المؤسّسة العسكريّة الأميركيّة في سوريا عام 2015. وإذا كان ما تقدَّم من هذا الكلام قد أصبح معروفًا ومكرَّرًا عند الجميع من دون أدنى شكّ، فإنّ الغرض من وراء إعادة التذكير به في الوقت الحاليّ، يتمثّل في أنّ الصبر الذي تحلّت به القيادة الروسيّة لدى تعاملها مع الأميركيّين على مدى السنوات السبعَ عشْرةَ الماضية يمكن أن ينفُذَ في أيّ لحظةٍ، ولا سيّما أنّ هذه القيادة التي ما زالت تُخضِع إدارة البيت الأبيض الحاليّة لاختبارات حسن النوايا، وفقًا لأسس القاعدة الاستخباراتيّة السوفييتيّة المشار إليها أعلاه، أوشكت على الإعلان عن النتيجة النهائيّة لتلك الاختبارات، وذلك بعدما تعاطت بما فيه الكفاية مع مواقفَ بهلوانيّةٍ ظلّت تتأرجح خلال الأشهر الأخيرة بين ترامب الذي يغازل بوتين وترامب الذي يبتزّ بوتين نفسه، وبين ترامب الذي يهاجم حلف شماليّ الأطلسيّ وترامب الذي يهادن الحلف نفسه، وبين ترامب الذي يسامح النظام السوريّ وترامب الذي يعاقب النظام نفسه، وبين ترامب الذي يريد أن يصحِّح وجهة إبرة زناد البندقيّة الأميركيّة في الحرب على الإرهاب وترامب الذي يريد أن يؤجِّر البندقية نفسها (...)، إلى ما هنالك من أمثلةٍ واضحةٍ وفاضحةٍ في آنٍ معًا، ما زالت تُظهر المؤشِّر تلو الآخر على "براعة" الإدارة الأميركيّة الحاليّة في فنّ الرقص على الحبال. عِبرة الـ "توماهوك" بناءً عليه، ووفقًا لمصدرٍ روسيٍّ موثوقٍ تحدّثتُ إليه هاتفيًّا في وقتٍ مبكِّرٍ من صباح اليوم، فإنّ الأسلوب الذي ستتّبعه إدارة الرئيس ترامب في مجال "لفلفة" تداعيات الغارات الأميركيّة التي شُنَّت على قاعدة "الشعيرات" السوريّة في ريف حمص فجْر يوم أوّل من أمس الجمعة، سيكون له بالغ الأثر في تحديد إبرة بوصلة التوجّهات النهائيّة للكرملين مع البيت الأبيض خلال الأيّام القليلة المقبلة، وبشكلٍ حاسمٍ أكثر من أيّ وقتٍ مضى، ولا سيّما أنّ الدوائر الأمنيّة في موسكو تدرس في هذه الأثناء فرضيّةً مؤدّاها أنّ استهداف قاعدة "الشعيرات" بصواريخ الـ "توماهوك" جاء بمثابةِ ردٍّ على قيام المقاتلات الروسيّة مؤخَّرًا باستهداف مخازن صواريخ الـ "تاو" المضادّة للدروع بالقرب من الحدود التركيّة شمالَ محافظة إدلب، وهي الفرضيّة التي تتحدّث أيضًا، وهذا هو الأهمّ، عن أنّ الغارة الأميركيّة الأخيرة تمّت استجابةً لطلبٍ من دولةٍ خليجيّةٍ عربيّة ما زالت تصرّ على دعم فصائل المعارَضة السوريّة بهذا النوع من الصواريخ، أملًا في قلب موازين القوى ضدّ نظام الرئيس الأسد. ولعلّ اللافت هنا، وعلى رغم أنّ المصدر الروسيّ الذي تحدّثتُ إليه اليوم تفادى تأكيد معلوماتٍ لم يتمّ التداول بها على نطاقٍ واسعٍ، ومفادها أنّ ستّةً وثلاثينَ صاروخًا من أصل صواريخ الـ "توماهوك" التسعةِ والخمسينَ التي أُطلِقَت على "الشعيرات" لم تبلُغ أهدافها، بعدما تمكّنت أنظمة الدفاع الجوّيّة من تفكيك شيفراتها، حسب ما ذكره موقع "آغوراليكس" نقلًا عن دوائرَ عسكريّةٍ سوريّةٍ نهار أمس السبت، فإنّ اكتفاءه بالإشارة إلى أنّ الـ "توماهوك" أثبتت أنّها "أسلحة الدمار الفاشل"، على حدّ تعبيره، يمكن أن يندرج في سياق تأكيدٍ غيرِ مباشِرٍ لتلك المعلومات، وذلك لاعتباراتٍ تكتيكيّةٍ بحتةٍ، ولا سيّما أنّه ينتمي إلى الجيل الذي كان قد وضع بنفسه أسس قاعدة اختبارات حُسن النوايا في المدرسة الاستخباراتيّة السوفييتيّة قبل دخول فلاديمير بوتين إليها بأكثر من عشرين عامًا من الزمان. هذا الكلام، وإنْ كان لا ينطوي على أيّ رغبةٍ في الإيحاء بأنّ الخيار العسكريّ في سوريا ما زال عصيًّا على التعثِّر، وبالتالي على مواجهة احتمالات الفشل، إلّا أنّ الهدف منه يتمحور حول ضرورة لفت الأنظار إلى حقيقةٍ مفادها أنّ الحرب الباردة – الساخنة الدائرة حاليًّا على خطّ التوتّر العالي بين موسكو وواشنطن، لن تبقى محصورةً ضمن نطاق الساحة السوريّة وحدها إذا ما قُدِّر لها أن تصبح حربًا استخباراتيّةً، بنكهةٍ سوفييتيّةٍ، بل ستمتدّ إلى ساحاتٍ أخرى لطالما ظنّ أهلها أنّهم سيبقون بمنأى عن الخطر في ظلّ الحماية الأميركيّة، ليس بالضرورة لأنّ الرهان على إدارةٍ بهلوانيّةٍ مثل إدارة ترامب يبدو خاسِرًا من بداياته وحسب، وإنّما لأنّ واقع الحال الإقليميّ والدوليّ لم يعُد يحتمل الصبر على استمرار لعبة الرهانات الخاسِرة.. والخير دائمًا من وراء القصد!
Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك