تجاوزت الدبلوماسية الروسية آثار الضربة الاميركية الخاطفة على مطار الشعيرات في ريف حمص لتمسك من جديد بالملف السوري بإحكام، لا بل تشير المعطيات اﻻولية عن إستعادة محركات التنسيق بين الجانبين اﻻميركي والروسي تحت أولوية القضاء على "داعش".
هذا التطور على أهميته ﻻ ينفي التباين الحاصل بين الطرفين حول مسار اﻻزمة السورية وسبل وقف الحرب اﻻهلية الدائرة في سوريا، كما لا يبدد إنزعاج الكرملين جراء استهداف أميركا لمطار إستراتيجي في الوسط، الذي شكل ركيزة اساسية في عملية استعادة مدينة تدمر من قبضة "داعش".من هنا جاء الموقف الروسي حول إعتبار أن الضربة اﻻميركية تقوض مكافحة المجموعات المتطرفة و القضاء على "داعش" .
وفق مصادر ديبلوماسية متابعة فإن غرفة عمليات البيت اﻻبيض وضعت اربعة خيارات امام الرئيس اﻻميركي للرد على إستعمال السلاح الكيماوي تدرجت من قصف مطار الشعيرات صعودا نحو أهداف مختلفة، أبرزها قصر الرئيس بشار اﻻسد، غير ان ترامب إختار الرد اﻻدنى واﻻقل كلفة بما في ذلك رفض اﻻحتكاك جواً مع روسيا أو اﻻصطدام المباشر مع انظمة الدفاع الروسية على اﻻراضي السورية.
كما كشفت المصادر نفسها حقيقة التصعيد اﻻميركي المستجد في سوري، والتي تصل إلى سلسلة تقديرات ﻻ تدخل بينها مطلقا الرغبة اﻻميركية في التدخل المباشرفي سوريا والتورط ميدانيا في وحول جولات القتال.
فبرأيها أن أميركا هدفت من وراء قصفها المباشر الى وضع خطوط حمر لسقف الصراع الدائر حاليا، فكان الرد اﻻميركي على تطور خطير متمثل بإستعمال اﻻسلحة الكيماوية وبالتالي لا بد من وضع حد لجنون القتال الذي يطال المدنيين.
كما تأتي الضربة اﻻميركية، وفق التوصيف المذكور، كونها تندرج في سياق حاجات الرئيس دولاند ترامب إلى تعزيز صورة بلاده في الداخل كقوة عظمى حاكمة على الساحة الدولية.
هذه الوقائع كانت مخيبة ﻵمال أطراف معنية باﻻزمة السورية وفي طليعتها السعودية اول المرحبين بالضربة اﻻميركية، خصوصا لجهة تعزيز ضرورة إسقاط نظام الرئيس بشار اﻻسد كمدخل طبيعي لحل نهائي وسلام حقيقي في سوريا، و كذلك إيران بالمقلب اﻵخر التي بدأت تستشعر محاولة أميركية لتقويض نفوذها على الساحة اﻻقليمية من العراق إمتدادا حتى العمق اللبناني.
وفي هذا السياق، تكشفت جوانب اخرى متعلقة بتفاهم مشترك روسي -اميركي يقضي بسيطرة اميركية مباشرة عند الحدود المشتركة العراقية - السورية مقابل بسط نفوذ روسيا على مناطق حيوية في الشمال كما في الوسط السوري، هذا اﻻقتسام يستلزم ﻻتمامه تهميش أطراف اقليمية اخرى على الساحة السورية، وهو يحصل تدريجيا مع تركيا ثم ايران فالسعودية.