على رغم الدعوات الكثيرة للتظاهر غداً الخميس تزامناً مع الجلسة العامة المقرر انعقادها من أجل إقرار اقتراح التمديد لمجلس النوّاب مدّة سنة، اختار بعض اللبنانيين أن يستبق كلّ التحركات الميدانية عبر "ثورة" افتراضية اعتراضية، تحمل كالعادة، الطابع الكوميدي الساخر، وأحياناً غير الجدّي.
هاشتاغ "آخر_مرة_صارت_الانتخابات" الذي ما زال يكتسح مواقع التواصل الاجتماعي منذ الأمس، يتوّسله اللبنانيون من أجل تسليط الضوء على مرور ثماني سنوات على الانتخابات النيابية الأخيرة التي جرت في العام 2009، ليتوّقف هذا الاستحقاق، غصباً عن إرادة الشعب، بفعل تمديدين متتاليين امتدا على فترة أربع سنوات أخرى، أي ما يساوي دورة برلمانية بأكملها.
وعلى رغم ما يحمله هذا الأسلوب من "الاعتراض" من بعض أوجه السلبية لكونه ضعيف التأثير أو لاعتماده على النكات والتسخيفات أو التحويرات، فإنه، في هذه المرّة خصوصاً، يفيض إيجابية في "مكنوناته"، إذ يحضّ المواطنين على نبش الذاكرة وعلى استرجاع ماض قريب... بعيد! فأحد المشاكل الرئيسية التي تتعزز حقيقتها يوماً بعد يوم، تكمن في أنّ ذاكرة الشعب اللبناني، أو أغلبيته، مثقوبة، أو مسلوبة، الأمر الذي يجعله متأقلماً مع كلّ شواذ ومرتضياً بكلّ أنواع التجاوزات. وعليه، دائماً ما ينسى هذا الشعب الوعود التي يغرقه فيها السياسيون، بل وينسى أيضاً الوحول التي يغرقه هؤلاء فيها وصولاً الى القعر.
إن النسيان، أو التناسي، الذي يضرب شريحة كبيرة من اللبنانيين، تمظهر بقوّة في الفترة الأخيرة مع عدم اكتراث الشعب لتطوّرات ملف الانتخابات النيابية، بل وعجزه، أو بالأحرى امتناعه، عن توّقع النهاية المرّة المرتقبة غداً، أي التمديد للمرة الثالثة. على هذا النحو، لم تشهد الساحة الداخلية أي ضغوطات شعبية ملحوظة لدفع الطبقة الحاكمة إلى إقرار قانون جديد، أو في أسوأ الأحوال، الإبقاء على القانون القديم من أجل إتمام الاستحقاق النيابي بأي ثمن. لربما كان هذا المجتمع متمسكاً بأمل ما، لكن كلّ المؤشرات كانت توحي بأنّ هذا الأمل زائف، بدليل الانتهاكات الدستورية والقانونية المتتالية، وهذا ما كان يستوجب شحذاً لهمم الذاكرة القريبة جداً!
عودة بسيطة إلى ما بعد انتهاء ولاية البرلمان في العام 2013، كانت كفيلة بزلزلة الأرض. تمديدان للمجلس النيابي، أو بمعنى أدقّ، سرقة موصوفة لحقوق المواطن... فراغ رئاسي لحوالي ثلاث سنوات، مؤسسات رسمية في حال من الشلل، اقتصاد متدهور، نفايات تبتلع الأخضر واليابس والبشر والحجر، استئجار بواخر للكهرباء فيما بقي التقنين مستمراً وفواتير الموّلدات مستشرسة، خدمات صحية واجتماعية غائبة، قوانين غير مُطّبقة، فساد في أعلى مستوياته، كبت لحرية التعبير، سلاح متفلّت في أيادي المواطنين، اختناقات على الطرقات متفاقمة، هدرٌ للمال العام ومشاريع معلّقة على حبال التقصير أو الفساد رغم القروض الممنوحة، أزمة لاجئين وعمالة وبنية تحتية وحقوق انسان، جرائم مخيفة متنقلة من منطقة الى أخرى، معضلات اجتماعية من دون حلول، موظفو القطاع العام يضربون مطالبين بحقوق قديمة، كسارات تقضم الجبال ورمول وبحور تُسرق، علاقات خارجية متضعضة ومصالحات داخلية متأرجحة، توريثات سياسية، وترهات تصدر على ألسنة السياسيين، أقلّها "أغلقوا افواهكم منعاً لدخول البرغش"!
اللائحة تطول طبعاً ولا تُختصر بسطور، لكن يُفترض بها أن تكون مترسخة في الذاكرة، لأن الذلّ الذي يتذوّقه اللبناني يومياً كفيلٌ ليس بإبقائها حيّة وحسب، بل بتضخيمها حدّ أن تكون "الثالثة ثابتة"، فيُزاح النوّاب غير الشرعيين عن كراسيهم.
"آخر مرة صار في انتخابات"، كان في العام 2009. ومنذ ذاك الوقت، راحت تسوء الأحوال وتتعقد وتتأزم وصولاً الى الجريمة الكبرى المتمثلة بالتمديد.
فهل يكون يوم غد بداية لعهد جديد مشرق، أم على لبنان السلام؟!