لا شيء يشبه سياسة التأجيج الإعلاميّ التي واكبت التحضيرات لزيارة وزير الخارجيّة الأميركيّ ريكس تيليرسون الأخيرة لموسكو أكثر من إرهاصات السياسة المماثِلة التي كانت قد واكبت التحضيرات لزيارة المبعوث الرئاسيّ الأميركيّ (الراحل) ريتشارد هولبروك الشهيرة لنيقوسيا قبل قرابة العشرين عامًا، وخصوصًا من جهة تعمُّد الإسراف في الإصرار على الإيحاء بأنّ كلًّا من الرجلين سيصل إلى وجهته حاملًا بيده عصا سحريّةً لفضّ الأزمات فيها، سعيًا إلى المحافظة على الأمن والسِلم الدوليّيْن، ولا سيّما إذا أعدنا للذاكرة أنّ زيارة هولبروك التي تزامَنت عام 1997 مع الإعلان عن اعتزام الحكومة القبرصيّة نصبَ شبكةِ بطّاريّاتِ صواريخَ روسيّةٍ من نوع "إس ثلاثمئة" في جنوب الجزيرة، استهدفت في الأساس الحدّ من ارتفاع منسوب مخاطر الانزلاق إلى حربٍ عالميّةٍ ثالثةٍ، وذلك بعدما هدَّدت رئيسة الوزراء التركيّة في حينه تانسو تشيلر، ومن ثمّ خلَفَها مسعود يلماظ، بقصف تلك الصواريخ في حال نصبها، ممّا استوجب القيام بتحرُّكٍ عسكريٍّ يونانيٍّ في المقابل، وفقًا لما تنُصّ عليه معاهدةُ الدفاعِ المشترَكِ الموقَّعةُ في سبعينيّات القرن الماضي بين الحكومتين اليونانيّة والقبرصيّة، وهو التحرُّك الذي تمثَّل في إجراءِ استعراضاتٍ مثيرةٍ للعضلات، وجهًا لوجهٍ أمام استعراضاتٍ عسكريّةٍ مماثلةٍ للقوّات التركيّة، ولدرجةٍ كادت تصل في خطورتها مرارًا إلى حدّ التصادم بشكلٍ مباشِرٍ بين الدولتيْن الحليفتيْن اللدودتيْن في الأسرة الأطلسيّة، أي اليونان وتركيا، تارّةً في مجالاتهما الحيويّة المتنازَع عليها أبًا عن جدٍّ في بحر إيجة، وتارّةً أخرى على طرفيْ شطريْ الجزيرة القبرصيّة المقسَّمة منذ عام 1974.
ما حدث وقتذاك، وعلى غرار ما شهدناه خلال الأيّام القليلة الماضية، هو أنّ وكالات الأنباء الدوليّة الكبرى، مثل "أسوشيتد برس" و"رويترز" و"فرانس برس"، بدأت بالترويج لزيارة ريتشارد هولبروك قبل نحو عشرةِ أيّامٍ من موعدها، وذلك عن طريق إغراق غرف الأخبار على طول خارطة العالم وعرضها بسيلٍ جارفٍ من أخبارٍ يوميّةٍ عاجلةٍ مفادها أنّ "إدارة الرئيس الأميركيّ بيل كلينتون قرّرت إيفاد مبعوثها الخاصّ إلى قبرص"، أو أنّ "هولبروك سيصل الأسبوع المقبل إلى الجزيرة حاملًا معه تسويةً نهائيّةً لأزمة الصواريخ الروسيّة"، أو أنّه سيصل بعد ستّةِ أيّامٍ، ثمّ خمسةِ أيّامٍ، ثمّ أربعةٍ، ثمّ ثلاثةٍ، ثمّ بعد يومين، ثمّ سيصل غدًا، إلى أن وصل بالفعل، ونجح في جمع الزعيميْن القبرصيّيْن المتناحريْن (الراحليْن) غلافكوس كليريدس ورؤوف دنكتاش، ولكن من دون أن يؤدّي هذا الجهد إلى إقناع الجانب القبرصيّ اليونانيّ بالتراجع عن صفقة الصواريخ مع روسيا، الأمر الذي أبقى التوتّر والجدل حول هذه القضيّة قائميْن على مدى عاميْن كامليْن من الزمان، قبل أن يضطرّ هولبروك في زيارةٍ لاحقةٍ إلى مغازلة القبارصة اليونانيّين بموقفٍ رسميٍّ لافتٍ، حمل في طيّاته من التنازلات ما كان له وقْع المفاجآت الكبرى، وذلك عندما اعترف لهم في مؤتمرٍ صحافيٍّ عقده داخل مقرّ الأمم المتّحدة عند "الخطّ الأخضر" في نيقوسيا بالأخطاء التي اقترفَتها بلاده في بلادهم، قائلًا ما حرفيّته "إنّ السياسة الأميركيّة لم تكن نظيفةً في هذا الجزء من العالم، نظرًا لأنّ الإدارات المتعاقبة على البيت الأبيض خلال السبعينيّات والثمانينيّات قامت بأعمالٍ ما كان ينبغي عليها القيام بها"، وهو الكلام الموثَّق بالصوت والصورة الذي لم يأتِ على لسان أيّ مسؤولٍ أميركيٍّ من قبل، والذي تمّ الاتّفاق بعده على أن يُصار إلى نصب شبكة بطّاريّات الصواريخ الروسيّة في جزيرة كريت اليونانيّة عوضًا عن جزيرة قبرص.
قواعد التسويات
على هذا الأساس، وإذا ما اجتهدنا قليلًا في إسقاط السيناريو الآنف الذكر على ما ترافق مع التحضيرات لزيارة ريكس تيليرسون الأخيرة لموسكو من ترويجٍ إعلاميٍّ وصل إلى حدّ التهييج، وخصوصًا من جهة فحوى العناوين العريضة التي تركّزت على أنّ الوزير الأميركيّ "أنذر روسيا بأنّ عليها الاختيار ما بين الولايات المتّحدة وأوروبا وما بين إيران وسوريا"، أو على أنّ "مستقبل عائلة الأسد أصبح على المحكّ" في ضوء تلك الزيارة، أو على أنّ "غارات صواريخ توماهوك ستتكرَّر لا محالة"، أو على أنّ "الرئيس فلاديمير بوتين سيتراجع قريبًا عن استراتيجيّاته الدوليّة والإقليميّة"...، إلى ما هنالك من هراء، فإنّ البيت في القصيد هنا يتمثَّل في وجوب التأكيد على أنّ لا شيءَ جديدًا ومميَّزًا حمله تيليرسون في جعبته إلى العاصمة الروسيّة ولا من يحزنون، قياسًا بما درجت العادة على أن يحمله أسلافه من أمثال جون كيري وهيلاري كلينتون وكوندوليزا رايس، الأمر الذي يتجلّى بوضوحٍ من خلال إجراءِ قراءةٍ عامّةٍ للمواقف التي صدرت نهار أمس الأربعاء خلال المؤتمر الصحافيّ المشترَك الذي عقده وزير الخارجيّة الروسيّ سيرغي لافروف مع نظيره الضيف، ولا سيّما أنّ تلك المواقف لم تخرُج في مجملها عن دائرة إيقاع الاسطوانة القديمة – المتجدِّدة حول رغبة الجانبين في إنهاء الخلافات القائمة بينهما، اللهمّ إلّا إذا استثنينا أنّ تيليرسون هو وزيرٌ جديدٌ يعمل في ظلّ إدارةٍ أميركيّةٍ جديدةٍ ما زالت المؤشّرات تُظهِر، يومًا بعد يومٍ، أنّها الأدهى من نوعها في التاريخ الأميركيّ الحديث.
الثوابت الروسيّة
هذا الكلام، وإنْ كان لا ينطوي على أيّ رغبةٍ في القفز فوق الهواجس الخطيرة التي تنتاب العالم، من أقصاه إلى أقصاه، جرّاء تداعيات السلوك البهلوانيّ لإدارة الرئيس دونالد ترامب حيال الأزمات الدوليّة والإقليميّة الراهنة، إلّا أنّ الهدف الأساسيّ منه، يتمثّل في ضرورة لفت الانتباه إلى أنّ تزامُن استقبالِ الرئيس بوتين لريكس تيليرسون في قصر الكرملين البارحة مع اعترافِ الرئيس ترامب أمام الأمين العامّ لحلف شماليّ الأطلسيّ ينس ستولتنبيرغ بأنّ "الولايات المتّحدة ترغب في تطوير علاقاتها مع روسيا على أساس أنّها دولةٌ قويّةٌ"، يشي بأنّ سيناريو تنازلات ريتشارد هولبروك في المسألة القبرصيّة أوشك على أن يتكرَّر للتوّ في المسألة السوريّة، وخصوصًا من جهة ترسيخ القناعة القائلة بأنّ الأميركيّين غالبًا ما يسعون إلى انتهاج استراتيجيّة التأجيج والتهييج في العالم من أجل تحسين أوضاعهم التفاوضيّة على موائد التسويات الكبرى.
استراتيجيّةٌ.. وإنْ كانت قد نجحت بامتيازٍ قبل عشرين عامًا في تحويل وجهة نصب شبكة بطّاريّات الصواريخ الروسيّة من جزيرة قبرص إلى جزيرة كريت، إلّا أنّ احتمالاتِ الحدِّ من فرص تكرار نجاحها على الساحة السوريّة في الوقت الراهن، من حيث التبديل والتغيير، تتمثّل في أنّ الرجل الذي قُدِّر له أن يدير دفّة الحكم في قصر الكرملين على مدى السنواتِ السبعَ عشرةَ الماضية هو فلاديمير بوتين وليس سلَفَه الراحل بوريس يلتسين، الأمر الذي يعني في المحصّلة النهائيّة أنّ كلّ الهبّات الإعلاميّة التي تُروَّج من هنا أو هناك حول اقتراب موعد "انتهاء الغطرسة الروسيّة في سوريا"، على حدِّ تعبير المروِّجين، ليست أكثرَ أو أقلَّ من زوبعةٍ في فنجانٍ، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ الإدارة الأميركيّة الجديدة قالت كلمتها البارحة بوضوحٍ حول ثوابت روسيا وقوّتها، بما يشي بأنّه بدايةٌ منطقيّةٌ لموسم تقديم التنازلات.. وما على الدائرين في الفلك الأميركيّ التقليديّ من الأوروبيّين والعرب وسواهم إلّا الاستماع بعنايةٍ فائقةٍ هذه المرّة.. واليقين!