إنها مرحلة اقتناص الفرص، بلا منازع، التي يمر بها العهد الجديد، حيث خرج الثنائي المسيحي بجناحيه "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية" بموقف جازم من قرار الدعوة لعقد جلسة لمجلس النواب والتصويت على التمديد، معطلين فتيل التفجير لصيغة "لاغالب ولا مغلوب"، ومستفيدين من حالة التراجع التي تعيث ضعفاً لدى الثنائي الشيعي نتيجة انصراف "حزب الله" للانشغال بالجبهات السورية وكيفية حماية ظهره من اي ضربة غادرة، مقابل تراجع واضح للتيار الازرق وضمور واضح لقاعدته لدى الطائفة السنية نتيجة سلوكه السياسي الاخير الذي جاء مغايرا لما اطلقه من مواقف وشعارات. كل ذلك شكل مساحة خصبة لهذين الجناحين لقضم ما أمكن من حقوق، تحت غطاء ميثاقي ودستوري، تَوّجه رئيس الجمهورية ميشال عون باستخدام صلاحياته المنصوص عنه في المادة 59 من الدستور اللبناني معلقا بها عقد جلسات مجلس النواب افساحاً في المجال لمزيد من التواصل بين جميع الافرقاء حول قانون انتخاب جديد.
لاشك ان استخدام رئيس الجمهورية لصلاحياته الدستورية، وإن في الشكل منحت الفصل الاول من العهد علامة مرتفعة، الا انه في الحقيقة لم يكن سوى مؤشر على وجهة سير المرحلة الحالية للبلد، حيث مازالت صيغة "لا غالب ولا مغلوب" هي سيدة الكلام والموقف. اذ استطاع رئيس الجمهورية هزّ العصا لباقي الشركاء في الوطن بأن زمن المكرمات والاملاءات والفرض قد ولّى، وان التوافق السياسي على قانون انتخاب جديد او على اي ملف آخر،لا يمكن ان يعبر بعد اليوم الحضور الطائفي والمذهبي لبعض القوى الطائفية والمذهبية في البلد. هذا من جهة.
ومن جهة اخرى، وفي المقلب الأخر، وقف بعض الشركاء الراغبين في التمديد للمجلس النيابي من هذا الاعلان، موقف المتفرج المساير، وهم في سرهم يضحكون لعلمهم المسبق بان الفرحة ليست بطويلة وبأن مهلة الشهر ليست سوى "استعانة "بآخر وسيلة مساعدة،وبالتالي فان "المكتوب ما منه مهرب". وربما خير دليل على ذلك ما رافق رسالة رئيس الجمهورية من تصريحات تناولت التبشير بالتوافق الاولي على صيغة قانون انتخاب يعتمد التأهيل الطائفي على مرحلتين، الامر الذي يثير علامة استفهام كبيرة حول هذا التوافق وسر الاعلان عنه مع العلم ان الصيغة المعلن عنها ليست سراً، وقد جرى التداول بها منذ فترة، وبالتالي في حال كان التوافق حقيقة لكان الحريّ عقد جلسة مجلس نواب لتحديد مدة التمديد التقني لاجراء الانتخابات النيابية على اساسه مع لحظ تسريع وتيرة الاجتماعات للانتهاء من النقاط البسيطة العالقة حول الضيغة المتفق عليها وليس اعلان تعليق جلسات مجلس النواب مدة شهر.
اذا هو شهر من الترقب والحذر سيمر به لبنان، وبانقضائه يتضح المنحى الذي سيأخذه وجه لبنان السياسي المقبل والذي لن يكون على نقيض مع ما يرسم من وجوه للدول الملاصقة والمجاورة له وبخاصة سوريا. لذا فان جميع الخيارات مفتوحة، حيث ان خطر التمديد وحتى ايضا امكانية الذهاب نحو اجراء الانتخابات على اساس قانون الستين "مجمل" لم تنته بعد ،سيما في حال لم تطرأ تغييرات نوعية على موازين القوى في الميدان السوري. بالمقابل يبقى خيار التوصل الى اتفاق نهائي على صيغة التأهيل واردة ايضا، مع ما تحمله هذه الصيغة من فرز طائفي ومذهبي وربما مناطقي، خاصة في حال توفرت الاسباب الموجبة لدخول لبنان مرحلة سياسية جديدة بوجوه جديدة تجعله يتواءم ويتلاءم مع التسوية التي التي يجري العمل على انضاجها في سوريا والمنطقة.
(ميرفت ملحم - محام بالاستئناف)