اسمان حوّلا وجه تركيا، الأول مصطفى كمال أتاتورك الملقب بـ "أبو الأتراك"، مؤسّس تركيا الحديثة، الذي أعلن في 29 تشرين الأول عام 1923 ولادة الجمهورية، وألغى الخلافة الإسلامية العثمانية، وأقام مكانها دولة علمانية غربية الطابع والقوانين، والثاني هو رجب طيب أردوغان الذي تمكّن بعد 15 سنة من وجوده في مراكز القرار، من قلب نظام الحكم من برلماني إلى رئاسي، يتمتّع خلاله بصلاحيات واسعة، تبدأ بإلغاء منصب رئيس الوزراء وتعيين الوزراء وإقالتهم، ولا تنتهي بتعين عدد من الهيئات القضائية، وفرض حالة الطوارىء من دون انتظار موافقة البرلمان.
يُسجّل للرئيس التركي أنّه تمكن من إحداث هذا التغيير الكبير في نظام الحكم في تركيا عن طريق الشعب، كما قال في خطاب النصر بعد اعلان نتائج الإستفتاء "للمرة الأولى يُعدّل الأترك دستورهم من دون انقلاب عسكري ... ويحسمون جدلاً دام قرنين حول شكل الدولة". ويُسجّل لأردوغان أنّه أثبت وبالوسائل الديمقراطية أنّه أكثر القادة الأتراك شعبية منذ عقود، ولو أنّ التصويت بـ"نعم" على تعديلاته أتى بفارق ضئيل، حوالي 51%، مقابل 48 % صوتوا ضدها.
أردوغان سارع إلى طمأنة المتوجّسين من "حكم الرجل الواحد"، بتوضيحه أنّ هذه التعديلات لن تدخل حيز التنفيذ الآن، بل في انتخابات عام 2019. إلاّ أنّ الإستفتاء الذي غيّر وجه تركيا في السادس عشر من نيسان 2017، أي بعد حوالي مئة عام على ولادة تركيا الحديثة، لم يكن استفتاءً على النظام الرئاسي فحسب، بل استفتاء على شعبية أردوغان نفسه، الرجل المهيمن على الحياة السياسية التركية منذ أكثر من عقد من الزمن، وهو الذي عمد إلى أخذ الصلاحيات حيث يكون، في رئاسة الحكومة على مدى أحد عشر عاماً، ثم اليوم بتحويله منصب الرئيس التركي من موقع فخري إلى سلطة تنفيذية بصلاحيات كبيرة، ونجح في ذلك.
التعديلات الدستورية وعددها 18، تنصّ على بقاء الرئيس في منصبه لمدة ولايتين كحدّ أقصى، وعلى جعل الإجراءات الحكومية تحت سلطته، وأعطاء صلاحية التدخل بعمل القضاء، ومنحه الحق باختيار أربعة أعضاء في المجلس الأعلى للقضاة والمدّعين، وإلغاء منصب رئيس الوزراء وتعيين نائب له أو أكثر.
وبالتالي فإن القاطن في قصر يحاكي قصور السلاطين، أصبح يمتلك سلطة عابرة للحكومة والبرلمان ، تناسب لقب " السلطان " المرافق لاسمه في كثير من الأحيان، فالرجل لا يتوقف في خطاباته عن التذكير الدائم بمحمد الفاتح، ومن بعده السلاطين العثمانيين، ومحاولة القول إنه القائد الذي سيعيد أمجاد هؤلاء على أبواب مرور قرن على انهيار الدولة العثمانية.
وبذلك يكون اردوغان (اذا ما انهى ولايته لغاية العام 2024) الرجل الذي حكم تركيا لأطول فترة بعد أتاتورك، وهو القائد الأكثر تأثيراً في تاريخ تركيا الحديثة منذ رحيل مؤسسها مصطفى اتاتورك عام 1938، وأول رئيس منتخب من الشعب للمرة الأولى منذ تأسيس تركيا عام 1923، والطامح دوماً للبقاء في القصر الرئاسي حتى العام 2023 تاريخ مرور مئة عام على تأسيس تركيا المعاصرة.
وفي أي حال، فإن تركيا ما بعد الإستفتاء التاريخي لن تكون تركيا ما قبله. مرحلة جديدة انطلقت في تاريخها على الصعيدين المحلي والخارجي. وحدها الأيام والسنوات المقبلة ستثبت ما إذا كان هذا "النموذج الأردوغاني" هو لصالح استقرار هذه الدولة الإقليمية، وفي خدمة شعبها، ولاسيّما أنّ نتائج الإستفتاء أظهرت انقساماً حاداً في المجتمع التركي بين مؤيّد للتعديل ورافض له، بحيث أنّ الفرق بين المعسكرين كان ضئيلاً، كما أنّ أصوات المقترعين في المدن الثلاث الكبرى، أنقرة واسطنبول وأزمي، أتت رافضة للتعديل، فضلاً عن أنّ تركيا ما زالت تعيش تداعيات الإنقلاب الفاشل.