لم يلقَ المشروع الجديد لقانون الإنتخابات القائم على مرحلتين تجاوبًا من أكثرية القوى السياسية، التي اعتبرته مشروعًا تقسيميًا بإمتياز، خصوصًا في مرحلته الأولى التي يفترض أن تجرى الإنتخابات فيها على أساس القانون الأرثوذكسي، أي أن المسيحيين ينتخبون نوابهم فيما ينتخب المسلمون بدورهم نوابهم أيضاَ في الأقضية التقليدية، قبل أن يتأهل أول أثنين أو ثلاثة إلى المرحلة التالية، والتي ستجرى على أساس النسبية في دوائر كبرى.
ولا يخفي معارضو هذا المشروع توجسّهم مما يمكن أن تؤدي إليه الإنتخابات النيابية في مرحلتها الأولى من تقوقع الطوائف على ذاتها، بدلًا من فتح المناطق بعضها على بعض والإقدام على خطوات من شأنها أن تكرّس الإنصهار الوطني.
وفي هذا المشروع الكثير من الثغرات، التي يمكن أن تفضي إلى نوع من الفرز الطائفي والمذهبي، في حال لم يتمّ تدراكها. ومن بين هذه الثغرات أن قسمًا من اللبنانيين، مسيحيين ومسلمين، لن يتمكنوا من المشاركة في هذه الإنتخابات في مرحلتها الأولى، أي أن هناك أعدادًا لا بأس بها من المسيحيين الذين يعيشون في أقضية صيدا والنبطيه وبنت جبيل وصور لن تتمكن من المشاركة في العملية الإنتخابية بإعتبار أنه لا يوجد نواب مسيحيون في هذه الأقضية، فيما يُحرم المسلمون من ممارسة حقهم الإنتخابي في كسروان والبترون والكورة وزغرتا وبشري، حيث لا نواب مسلمون عن هذه الاقضية، وبذلك يكون المشترع قد نزع حقّ أي مواطن من الإنتخاب، فضلًا عمّا يمكن أن ينتج عن ذلك من فرز للمناطق اللبنانية، ومن تهجير مقنّع للأقليات، سواء تلك المنتمية إلى المسيحية أو الأسلام، التي تعيش في مناطق الأكثرية، وذلك نتيجة شعورها بالتهميش وحرمانها من أبسط حقوقها.
وبذلك يكون هذا المشروع، في حال إقراره، قد نجح في إحداث فرز للمناطق، حيث فشلت الحرب في إحداثه، مع ما يترتب عنه من نتائج كارثية على مستوى العيش المشترك، الذي لا يزال يتمسك به جميع اللبنانيين، إلى أي مذهب انتموا، وهم يرون فيه صيغة فريدة تناقض المشاريع التقسيمية التي يُعمل لها في المنطقة بالحديد والنار.
ولأن لا وقت كافيًا للدخول في جدال عقيم حول الصيغ المنطقية الواجب إقرارها، بعدما علّق رئيس الجمهورية عمل مجلس النواب لمدة شهر، بموجب المادة 59 من الدستور، التي لم تُعدّل في الطائف، فإن أبغض الحلال، أي قانون "الستين"، لا يزال ساري المفعول، بإعتبار أن القانون لا يُلغى إلاّ بقانون، وهذا ما صرّح به البطريرك الراعي بوضوح، وهذا ما يبدو أنه "دغدغ" مشاعر بعض القوى السياسية، التي لا تزال تفضّله في سرّها على أي قانون آخر يُشتّم منه غايات لا تصّب في خانة التوحيد والإنصهار الوطني.
وقبل أن تنقضي فترة الشهر، ونهايته تبدو وراء الباب، فإن "الستينيين" سيعاودون تحريك ماكيناتهم من جديد، إذ لا يوجد في الميدان سوى حديدان "الستين".