لم يبق من شهر الفرصة الأخيرة، بعد خطوة رئيس الجمهورية الدستورية بتعليق عمل مجلس النواب، سوى أيام معدودة، وهي غير كافية على ما يبدو لإنجاز قانون إنتخابي جديد يحظى بموافقة القوى السياسية، وهي التي لم تستطع التوافق على الحدّ الأدنى على الخطوط العريضة لهذا القانون على مدى سنوات.
وعلى رغم دستورية ما قام به رئيس البلاد من خلال لجوئه إلى المادة 59 من الدستور، وعلى رغم تفاؤل المتفائلين بقرب تحقيق مثل هذا إلإنجاز العظيم، فإن مهلة الشهر، وفق قراءة سياسية لخارطة مواقف الأطراف السياسية، تبدو غير كافية للخروج بما يمكّن اللبنانيين من تفادي تجرّع كأس التمديد والفراغ، خصوصًا أن ما سبق وطرحه الوزير جبران باسيل من صيغ إنتخابية سقط بالضربات القاضية، من دون أن تلوح في الأفق ما يعزّز الأمل في إمكانية التوصل إلى صيغة مقبولة من الجميع، وهو أمر يبدو من رابع المستحيلات، بإعتبار أن الأسباب التي أدّت إلى عدم التفاهم على صيغة مقبولة ومنطقية لا تزال قائمة، وهي أسباب سياسية بإمتياز، قد يكون القانون الإنتخابي أحد مظاهرها، ولكنها ليست الوحيدة التي تباعد بين اللبنانيين، وتجعل خلافاتهم على تحديد الأولويات مجرد وجهة نظر، تتخطى بخلفياتها نطاق المساحة الجغرافية الضيقة، لتختلط معها أزمات المنطقة المعقّدة والآيلة إلى التفاقم، بعد دخول الدول الكبرى على خطها المباشر، مما يوحي بأن هذه الأزمات آخذة في التطور بما لا يخدم الإستقرار النسبي، الذي لا يزال لبنان يعيش في ظله.
فالمسألة ليست مسألة شهر بالزايد وشهر بالناقص، وهي تتخطى بأبعادها ظرفية اي خطوة دستورية أو سياسية على المستوى المحلي، لتصل إلى عمق الأزمة وإلى تشابك المصالح الدولية والإقليمية، وإلى ما يلف المنطقة من شبكة عنكوبية تهدّد بإسر جميع من يتحرّك في دائرة الخطر.
ويبقى السؤال المطروح بقوة من دون جواب، وهو لماذا لا يبادر اللبنانيون، إلى أي محور إنتموا، وهم يدركون جيدًا ما يُخطط للمنطقة، ولبنان جزء منها، إلى النأي بأنفسهم عن أزمات المنطقة، وهم قادرون إذا توافرت لديهم إرادة التخلص من إرتباطاتهم الخارجية، والإنصراف إلى معالجة شؤونهم الداخلية باقل خسائر ممكنة، في إنتظار إنقشاع دخان المعارك الدائرة من حولهم.
ووفق بعض المتابعين فإن القوى السياسية لا تحتاج إلى شهر للإتفاق على ما يبعد عن وطنهم الأخطار المحدقة، وهو الرازح تحت أثقال كثيرة وكبيرة، عبّر عنها البطريرك الراعي في كلامه الواضح يوم عيد الفصح، ووضع الأصبع على الجرح النازف.
فهذا الشهر المتاح أمام اللبنانيين يختصر في أيامه سنوات طويلة من التعقيدات والتراكمات، وهو الفرصة الأخيرة للإنقاذ قبل خراب البصرة، وقبل أن يتحوّل لبنان جوائز ترضية.