كاد يقولها جبران باسيل في أعقاب اجتماع تكتل "التغيير والاصلاح" بأنه "جرّب" كل الصيغ الانتخابية، طبعاً بعد دوزنتها وفق حسابته، ولم يتمكن من جرّ القوى السياسية الى مربع التفاهم على مشروع بديل للقانون النافذ أي "قانون الستين".
مهما بلغ حجم الاعتراضات على القانون القائم وارتفع سقف الويلات التي تكال عليه، فهو يظل نافذاً ساري المفعول الى حين يتمّ اقرار قانون جديد يدفنه لمرة واحدة وأخيرة. ولكن حتى الآن هذا السيناريو مستبعد.
مارس رئيس "تكتل التغيير والاصلاح"، ومن خلفه رئاسة الجمهورية، كل الضغوطات الدستورية والديموقراطية الممكنة التي قد تدفع بالآخرين الى التقدم خطوة الى الأمام، نحو التفاهم، عله يدفع بهم الى مزيد من التنازلات التي تسمح بالاتفاق على مشروع بديل... ولكن من دون جدوى.
يقول أحد المطلعين إنّه عشية الجلسة التشريعية التي دعا اليه رئيس مجلس النواب نبيه بري لمناقشة اقتراح نقولا فتوش القاضي بالتمديد لمجلس النواب سنة كاملة، بدت البلاد على حافة حرب أهلية. خطاب مذهبي بامتياز لا يُنتج الا مزيداً من المذهبية وتأجيج لمشاعر الطائفية.
لم يكن هناك من مخرج الا المادة 59 التي بدت في تلك اللحظة حلاً منقذاً من عنق الطائفية التي ادخلت البلاد الى زجاجتها. هكذا، لم يسأل أحد عن كيفية استخدامها، وهل من صلاحية لرئيس الحكومة في التوقيع على هذا المرسوم، كما يرى بعض الخبراء الدستورييين؟ هل يكفي تمني رئيس الجمهورية بتعليق عمل مجلس النواب أم ثمة حاجة ماسة الى مرسوم مكتوب رسمي موقع من رئيس الجمهورية ويفترض أن يرفعه قبل الدعوة الى الجلسة التشريعية او بعدها؟ هل كان بالإمكان عدم الأخذ بالكتاب الذي وضعه رئيس الجمهورية؟
الأسئلة بدت كثيرة مشروعة خصوصاً أن اجتهادات كثيرة صدرت توحي بأن ما حصل كان تخريجة سياسية لمأزق شعر كثر بسخونته، فارتضوا الأخذ بالمادة 59 بمعزل عن مقتضياتها الدستورية، حتى أنّ هناك من اعتبر أنّ رئيس الحكومة تنازل عن حقه في توقيع المراسيم (والتي من ضمنها ما تنص عليه المادة 59)، لتهدئة الشارع الذي كان ينذر بعظائم الأمور.
هكذا أيضاً، أوحى الجميع بأن تسوية تلك الليلة كانت مزدوجة: تأجيل جسلة التمديد مقابل التفاهم على قانون انتخابي. ولكن وقائع النهار كانت كفيلة بمحو ما سرب في الليل. ما من اتفاق وما من تفاهم.
أيام انقضت من مهلة الشهر من دون أن يخرج دخان الاتفاق. ولا شيء يوحي الى الآن بأنّ التفاهم ممكن في ظل رغبة الكثير من القوى على الإبقاء على قانون الستين حياً، ولهذا تمارس لعبة التذاكي من خلال رمي كرات الرفض في ملعب الآخرين... الى حين تنكشف اللعبة ويتضح بأن رافضي الاقتراحات المتداولة أكثر من مؤيديها.
تمر الأيام لتعيد التأكيد بأنّ قانون الستين قد يكون المنقذ الوحيد للاستحقاق النيابي، ليصير السؤال: ماذا سيختار رئيس الجمهورية ميشال عون بين خياريْ السيىء والأسوأ: التمديد الطويل القاتل لعهده أم قانون الستين القاتل لأحلام أبنائه؟