لم نكد نصدّق أن تقاربًا نوعيًا حصل بين "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية" بعد أكثر من خمسة وعشرين سنة من الجفاء، إن لم نقل من التنافر والتناحر بينهما، حتى جاء موضوع إجراء إستفتاء مسيحي لمعرفة من هم الأوائل بين المكوّن المسيحي، وكأننا في امتحان آخر السنة.
فعلى رغم توافق كل من العماد ميشال عون والدكتور سمير جعجع، اللذين يعتبران حتى إشعار آخر أوليين بين أوائل صفهما، على ضرورة إجراء مثل هذا الإستفتاء، فإن ما يخشاه المعترضون عليه، وعلى رأسهم حزب "الكتائب" وتيار "المردة" وسائر المسيحيين المستقلين غير المنضوين الى أحزاب، وإن كانوا مجموعين ضمن 14 أو 8 آذار، هو ما ستؤدي إليه هذه النتيجة من شرخ داخل الصف المسيحي، هم في غنى عنه، في غياب الرأس.
فلو افترضنا أن نتيجة هذا الإستفتاء جاءت معاكسة للتوقعات في إحدى القرى الصرف مسيحية مثلًا فهل يمكن لأحد أن يتخيل ما ستؤول إليه الأمور وما ستؤدي إليه من حزازات وحساسيات بين أهل الحي الواحد؟
وهل يدري المتحمسون لهذا الإستفتاء كم يتطلبه هذا الأمر من وقت لإنجازه، خصوصًا إذا كان سيجري وفق معايير علمية سليمة، بحيث لا يرقى الشك إلى صدقية وحيادية وموضوعية الجهة التي ستتولاه، مع العلم أن استفتاء بهذا الحجم والدقة غير متوافرة ظروفه من حيث المواصفات المطلوبة لأي شركة لبنانية، إذ أن هذا النوع من الإستفتاءات يحتاج الى تقنيات وخبرات عالية غير مؤمنة على مستوى المؤسسات الاحصائية المحلية.
وهذا يعني من وجهة نظر المعترضين المزيد من ذر الرماد في عيون الرئاسة اللبنانية، والمضي قدمًا في لعبة تقطيع الوقت وتمييع هذا الاستحقاق، الذي بدأ يفقد وهجه، خصوصًا أن جميع الأفرقاء باتوا يتعاطون معه على أنه من قبيل لزوم ما لا يلزم، مكتفين بـ"تربيحنا جميلي" بأنهم لا يتركون مناسبة إلاّ ويذكّرون بضرورة إجراء انتخاب الرئيس المسيحي الماروني الوحيد في هذه المنطقة، وهم في قرارة أنفسهم يتمنون ألا يتجرعوا هذه الكأس إلّا بعد آجال طويلة، فتكون إقامتهم "الجبرية" حيث هم أطول من إقامة من سبقهم في ظل ظروف طبيعية.
هذا الإستفتاء، وبالإذن من المتحمسين له، هو بمثابة قشرة موز، لا ندري من هو المتورط بها، لـ "تزحيط" إعلان النوايا.