تناقضات صعبة تحكم المشهد السياسي: رئيس الجمهورية واثق من هيبته ونفوذه، رافض لكل أشكال التمديد للمجلس النيابي سواء كان تمديداً وقحاً من خلال الاقتراح المعجل الذي قدمه النائب نقولا فتوش، أو تمديداً مقنعاً تفرزه الانتخابات إذا ما جرت على أساس القانون النافذ.
يبعد عيناه وأذناه عن كل التنبيهات التي تقول بأنّ هامشه الدستوري محدود، وبأن قدرته على تغيير مسار سفينة الانتخابات، مطوقة بمواد محددة أتى على ذكرها الدستور ولا عصا سحرية فيها يمكنها فرض التغيير على الأطراف السياسية التي تشاركه السلطة. ويصرّ على تصلبه.
قوى سياسية تتقن فنّ الترقب والانتظار بعدما صارت تجيد لعبة رمي الكرة في ملاعب الآخرين. تتمنى التمديد لمجلس النواب الى أن يقضي الله أمراً كان مفعول، فتختبىء خلف اعتراضات الآخرين كي لا تتحمّل ذنب رفض الاقتراحات الانتخابية. وما عليها سوى العرقلة غير المباشرة.
هكذا، تبدو الانتخابات معلقة على حبليّ مشنقة لا حبلاً واحداً: التمديد أو اجراؤها وفق قانون الستين... أما تعديل القانون فيحتاج الى معجزة يبدو أن زمانها لم يأت بعد.
من الواضح أنّ رهانات مبطنة تتحكم بالاستحقاق النيابي، وبشكل ميزان القوى الذي سينتج عن فرز صناديق الاقتراع. ما يحصل خلف الحدود من أحداث ميدانية عسكرية، أو من تطورات سياسية ضاغطة تقترب من الساحة الداخلية وتتصل بشكل خاص بالعقوبات الأميركية على "حزب الله"، لا يمكن فصله عما سيحصل في المسار الانتخابي.
يقول المطلعون إن ما يشهده الملف الانتخابي راهنا هو عبارة عن استعراض للعضلات ولأوراق القوة التي لا تزال مخبئة في الجيب، حيث يحاول كل طرف دفع الآخرين الى التنازل لتقديم كل ما عنده قبل الجلوس على طاولة التفاهم النهائية.
وكما كانت تمارس الضغوط على سعد الحريري لدفعه الى التسوية الرئاسية على قاعدة انه مضطر لتقديم كل التنازلات الممكنة طالما أنه "خسران خسران"، هكذا يعيد المشهد تكرار نفسه اليوم.
الضغط يمارس من جديد على رئيس الحكومة لدفعه الى خيار التفاهم على قانون انتخابي لأن رئيس الجمهورية لن يوفر اي ورقة لمنع التمديد او اجراء الانتخابات وفق القانون النافذ، وها هي الحكومة التي يراهن عليها سعد لحريري لتحسين وضعه الشعبي تدخل في "كوما" لا أحد يدري كيف ستستفيق منها أو متى!
كذلك، ثمة من يعتقد أن "حزب الله" بدوره ليس خارج دائرة الضغوطات غير المباشرة وهو الذي ينتظر عاصفة العقوبات ويخشى المزيد منها، وهو بالتالي ليس بوارد المس بالاستقرار السياسي ولو كان هشاً، وهو استطراداً يحتاج الى مظلة التفاهم الداخلي ليقي شرّ الهبات التي ستأتيه من الخارج، ولن يكون التوقيت مناسباً لأي خضة داخلية ولو كلفه ذلك بعض التنازلات في مجال الانتخابات وقانونها. ولذا سيكون أول المصفقين لأي تفاهم داخلي بهذا الشأن.
هكذا، يقول بعض المطلعين إن لعبة عض الأصابع تأخذ مجراها، ومن سيتألم أولاً سيرفع يديه استسلاماً لمشيئة الآخرين!