لو قيض لشهداء الصحافة، وهم كوكبة لم تتوقف مسيرتهم عند تواريخ محددة، أن يروا حفل تكريمهم بالامس، والذي دعت إليه كل من نقابتي الصحافة والمحررين، لكانوا تبرأوا من مهنة بذلوا حياتهم دفاعا عنها وعن الحريات العامة، وارتضوا أن يعلقوا على أعواد المشانق.
المشهد بالأمس في مدافن شهداء الصحافة لم يكن لائقًا ولم يأت في مستوى المناسبة، إذ سُجل غياب لكل من نقيبي الصحافة عوني الكعكي، لسبب مجهول، والمحررين الياس عون بداعي المرض، فكان غياب لم ندرِ إن كان مقصوداً أم أنه إستخفافٌ بهذه الذكرى، التي تعني لنا نحن معشر الصحافيين، الذين يؤمنون بقوة الكلمة وتأثيرها الإيجابي في الحياة السياسية، على رغم ما أصاب "مهنة المتاعب" من تجريح ومن تشويه، وعلى رغم كثرة الذين يدّعون هذه الصفة.
وبدلًا من أن تكون النقابتان موحدتين في تخليد ذكرى لها الكثير من الأبعاد بدتا في مكان ما متنافرتين في توحيد عطلة الصحافة، وكأن رمزية هذه الذكرى تحولت إلى خلاف على تعطيل يوم أو يومين، في زمن يحاول كثيرون تعطيل دور الصحافة، وبالأخص الصحافة الورقية، التي كانت الأساس لنهضة إعلامية، بدأت من لبنان وعمّت أرجاء المنطقة.
استفزني المشهد كثيرًا ولم أتمكّن من لجم مشاعري، وتمنيت لو لم إشارك في مقطع من مسرحية فولكلورية، مع تقديري للكلمة التي ألقاها الزميل جورج شاهين بإسم النقيب عون وحضور ممثلين للرؤساء الثلاثة.
وفي لحظة أختلط فيه الواقع بالذكريات لم أجد افضل من الإعتذار من شهدائنا ومن دمائهم التي قدموها على مذبح الوطن لكي يبقى للأجيال المتتالية ما يمكن الإعتزاز به، على رغم كل المآسي التي نعيشها في غياب الحدّ الأدنى من حسّنا بالمسؤولية، وبما يمكننا أن نقدمه للأجيال الطالعة، وبما يمكن أن نتركه من بصمات لن تكون بالتأكيد في مستوى تضحيات شهداء السادس من أيار.
فبإسم كثيرين ممن لا يزالون يراهنون على دور فاعل للصحافة، بكل أوجهها، أتقدم من شهدائنا، وكان آخرهم جبران التويني وسمير قصير، بالإعتذار، لأننا لم نفِهم بالأمس حقهم، ولم نكن في مستوى تضحياتهم، التي لن تذهب سدى، وإن كنا غير مدركين لما ترمز إليه هذه الذكرى، وما تزخر به من معانٍ تبقى أقوى وأبقى من بعض تفاهاتنا.