في انتظار موعد الجولة الخارجيّة الأولى التي يعتزم الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب القيام بها في كلٍّ من المملكة العربيّة السعوديّة وإسرائيل والفاتيكان اعتبارًا من نهار الحادي والعشرين من الشهر الجاري، تبدو الساحة الدوليّة في هذه الأثناء وكأنّها أشبه ما تكون بـ"خليّةِ نحلٍ" من حيث إيقاع التحرّكات الديبلوماسيّة التي تشهدها عواصم صنع القرار المعنيّة بالقضايا والملفّات الشائكة في العالم، وعلى رأسها موسكو وواشنطن، الأمر الذي يشي مقدَّمًا بأنّ نتائج هذه الجولة ستكون مختلفة من الناحية العمليّة عمّا أسفرت عنه جولاتٌ مماثلةٌ قام بها الرؤساء الأميركيّون السابقون في الدول نفسها، ولدرجةٍ وصلت مؤخّرًا إلى حدّ عدم تردُّد غالبيّة المحلّلين في القول إنّ الهدف الأساسيّ للرئيس ترامب يتمثّل هذه المرّة في العمل على إصلاح ما أفسده سلفه باراك أوباما، وذلك في إشارةٍ انتقاديّةٍ واضحةٍ ولاذعةٍ للخيبات التي آلت إليها سياسات الرئيس الأسمر الداخليّة والخارجيّة على حدٍّ سواء.
وسط هذه الأجواء، كان لافتًا أن يستقبل الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين نظيره الفلسطينيّ محمود عبّاس في مدينة سوتشي اليوم الخميس، ولا سيّما بعدما كانت مسألة الشرق الأوسط قد أخذت خلال الأيّام القليلة الماضية حيّزًا كبيرًا من الجهد الأميركيّ في البيت الأبيض، سواءٌ خلال زيارة الرئيس عبّاس نفسه أم خلال زيارة "غريمه" الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، علمًا أنّ موعد اللقاء الروسيّ – الفلسطينيّ كان محدَّدًا سلفًا في هذا اليوم، بمعنى أنّه كان مدرَجًا في أجندة الرئيس بوتين قبل توجُّه الوفد الفلسطينيّ إلى واشنطن بعدّة أيّام.
بين الإرهاب.. والسلام
لا شكّ في أنّ إحدى أبرز نقاط التلاقي التي تجمع بين الإدارتين الأميركيّة والروسيّة في الوقت الحاليّ هي تلك المتمثِّلة بقناعتهما المشتركة بأنّ لا سبيل لتحقيق الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط من دون التوصّل إلى تسويةٍ نهائيّةٍ وشاملةٍ للنزاع الفلسطينيّ – الإسرائيليّ، وبالتالي للصراع العربيّ – الإسرائيليّ، وهي القناعة التي كان القادة العرب قد جدّدوا إيمانهم بها أثناء انعقاد قمّة البحر الميت الأخيرة في الأردن، الأمر الذي من شأنه تعزيز التوقّعات القائلة بأنّ نتائج جولة الرئيس ترامب المقبلة ستكون مختلفة عمّا تمكّن أسلافه من تحقيقه في هذا الملفّ المعقَّد والشائك بالتحديد، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ جدول الأعمال المخصَّص للمحطّة السعوديّة في هذه الجولة لا يقتصر على إجراء محادثاتٍ حول العلاقات الثنانيّة بين واشنطن والرياض وحسب، بل يشتمل أيضًا على مشاركة الرئيس الأميركيّ في حضور قمّتين متتاليتين، إحداهما مع قادة دول مجلس التعاون الخليجيّ الستّ والأخرى مع زعماء دولٍ عربيّةٍ وغيرها من الدول ذات الغالبيّة المسلمة، بحسب ما أعلنته مصادرُ سعوديّةٌ رسميّةٌ، وذلك بعدما كان وزير خارجيّة المملكة عادل الجبير قد أعلن في وقتٍ سابقٍ أنّ بلاده وجّهت دعواتٍ رسميّةً إلى سبعة عشر زعيمًا عربيًّا وإسلاميًّا، من بينهم العاهل المغربيّ الملك محمد السادس والعاهل الأردنيّ الملك عبد الله الثاني والرئيس التونسيّ الباجي قائد السبسي والرئيس العراقيّ فؤاد معصوم.
وإذا كانت التوقّعات تشير بوضوحٍ إلى أنّ ملفّ محاربة الإرهاب سيطغى بأهمّيّته على سواه من الملفّات خلال لقاءات الرئيس ترامب في الرياض، فإنّ ذلك لا يعني بالضرورة أنّ أزمة الشرق الأوسط الأساسيّة لن تأخذ نصيبها كاملًا من النقاشات والمداولات، ولا سيّما أنّ المحطّة الثانية من الجولة ستكون في وسط مسرح الأحداث المتعلِّقة بهذه الأزمة، أي في إسرائيل ومناطق السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة، حيث من المرجّح أن ينقل الرئيس الأميركيّ حصيلة محادثاته في العاصمة السعوديّة إلى الجانبين الإسرائيليّ والفلسطينيّ قبل أن يتوجّه إلى زيارة مهد السيّد المسيح في مدينة بيت لحم، ومن ثمّ إلى حاضرة الفاتيكان.
تفاؤل فلسطينيّ
في هذا السياق، يُشار إلى أنّ الرئيس عبّاس كان قد حمل معه اليوم إلى سوتشي حصيلة المحادثات التي أجراها الأسبوع الماضي في البيت الأبيض، وخصوصًا من جهة ما لمسه عن "وجودِ رغبةٍ لدى الرئيس ترامب لكي يفعل شيئًا وبسرعةٍ" من أجل تسوية أزمة الشرق الأوسط، الأمر الذي يدلّ، بشكلٍ أو بآخر، على أنّ انعكاسات استعادة أجواء الودّ التي كادت تتلاشى في الآونة الأخيرة بين موسكو وواشنطن، في أعقاب نجاح الجهود التي بذلها وزير الخارجيّة الروسيّ سيرغي لافروف في العاصمة الأميركيّة في وقتٍ سابقٍ من الأسبوع الحاليّ في مجال احتواء أزمة الثقة بين الجانبين، لن تقتصر على الساحة السوريّة وحدها وحسب، وفقًا لما تؤشّر إليه الأوضاع والنقلات الميدانيّة في هذه الأيّام، بل ستطال التسوية الشرق أوسطيّة برمّتها أيضًا.
ولهذا السبب ربّما، كان لافتًا أن يشدِّد الرئيس عبّاس على أنّه قدَّم لمضيفه الأميركيّ شرحًا وافيًا عن الوضع الفلسطينيّ، بما يؤهّله للحصول على كلّ ما يحتاجه الحلّ في المستقبل، واصفًا اهتمام الرئيس ترامب بتحقيق التسوية بأنّه "شيء مهمّ"، وكاشفًا عن أنّ المدى الزمنيّ لتحقيق تلك التسوية سيتراوح ما بين بضعةِ أشهرٍ وما بين عامٍ ونيّفٍ من الزمان، تمامًا مثلما كان لافتًا أيضًا أن يجدِّد ترحيبه بمقترح الرئيس بوتين حول عقدِ لقاءٍ ثلاثيٍّ يشارك فيه الإسرائيليّون والفلسطينيّون في موسكو في أيّ وقت.
بين واشنطن وطهران
ولكن ماذا يمكن أن يُقال عن إيران يا ترى في خضمّ كلّ هذه التطوّرات؟
أغلب الظنّ أنّ الملامح الأوليّة للجواب على هذا السؤال يمكن أن تتكوَّن في أعقاب اللقاء المقرَّر أن يتمّ في البيت الأبيض لدى زيارة وليّ عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد للولايات المتّحدة نهار الاثنين المقبل، ولا سيّما أنّ الولايات المتّحدة تعوِّل كثيرًا على الدور الذي يمكن أن تلعبه دولة الإمارات العربيّة المتّحدة في مجال التحوُّل إمّا إلى صمّامِ أمانٍ أو إلى صاعقِ تفجيرٍ في العلاقات الأميركيّة – الإيرانيّة، علمًا أنّ المبعوث الرئاسيّ الروسيّ إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ميخائيل بوغدانوف كان قد أعرب بعد ظهر اليوم الخميس عن استعداد بلاده للعب دور الوسيط بين واشنطن وطهران، مشيرًا إلى أنّ لا بديل عن هذه العمليّة على رغم صعوبتها، وموضحًا أنّ موسكو لم تتوقّف يومًا عن لعب هذا الدور حتّى بين الإيرانيّين والسعوديّين.
على هذا الأساس، يصبح في الإمكان القول إنّ ثمّة رغبةً حقيقيّةً تتجلّى في عواصم صنع القرار في هذه الأيّام للتوجّه صوب الحدّ من تداعيات الأزمات الدوليّة والإقليميّة المستعصية، أملًا في وضعها تحت السيطرة، ومن ثمّ تسويتها وفضّها، تمامًا مثلما يصبح في الإمكان القول أيضًا إنّ ثمّة دخانًا أبيضَ لا بدّ وأن يتصاعد بهذا الخصوص خلال جولة الرئيس ترامب المقبلة، إمّا في الرياض أو في بيت لحم أو في الفاتيكان، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ "خليّة النحل" الآنفة الذكر إنْ دلّت على شيء، فهي تدلّ في الوقت الراهن على صوابيّة المثل القائل بتصرُّفٍ: "لكلِّ مجتهدٍ في العسلِ نصيبُ".. وعسلُ النفط والغاز وغيرهما من مصادر الطاقة الطبيعيّة هو هنا البيت في القصيد.. والخير دائمًا من وراء القصد!