لم يكن قرار "القوات اللبنانية" بالمشاركة في أول حكومة العهد قرارًا شكليًا، بل جاء نتيجة قناعة راسخة بأن يكون حضورها على طاولة مجلس الوزراء وفي الوزارات التي يتولاها وزراؤها فاعلًا وليس صوريًا، وأن يكون لحضورهم الأثر الإيجابي في ممارسة السلطة والحفاظ على المال العام، وهي التي تطمح إلى أن يكون لهذا الحضور تأثير في الحياة السياسية وفي الإدارة ومقاربة الملفات، وإعطاء صورة واضحة عن كيفية التعاطي بالشأن العام وما له علاقة مباشرة بحياة الناس.
إلاّ أن هذه الصورة ليست "طوباوية" كما تبدو، لأن "القوات" ليست جمعية "الحبل بلا دنس" و"فرسان العدرا"، بل هي حزب سياسي لا يكتفي بأن يكون شريكًا مهمّشًا في السلطة، كما هي الحال في الوقت الراهن، ويرفض أن يكون التعامل معه فوقيًا. وهذه هي نقطة الخلاف في المقاربات بينه وبين رئيس "التيار الوطني الحر" الوزير جبران باسيل، الذي يمكن الإستنتاج من حركته خارج "صحن إتفاق معراب" بأنه يتصّرف وكأن "القوات" مضمونة في "الجيبة" وأنها "تحصيل حاصل"، سواء في مشاريع القوانين الإنتخابية أو في ملف الحصّة المسيحية في التعيينات الإدارية.
وعلى رغم حرص الدكتور سمير جعجع ومعه الوزراء الثلاثة على أن تبقى العلاقة مع "التيار" ومع العونيين علاقة متينة وراسخة وغير ظرفية، فإن السكوت عن بعض التجاوزات على الطرقات الضيقة لا يدخل في قاموس معراب، التي تحاول وضع النقاط على الحروف المتنافرة والنافرة، من خلال تعاطيها بالملفات الحساسة بشفافية وجرأة أدبية من دون إضطرارها إلى لبس قفازات مخملية.
فحين رأت "القوات أن وزير الأشغال العامة يوسف فنيانوس، وهو وزير خصم لها في السياسة، أصاب في تصويب تلزيمات المطار، لم تتردّد في الثناء على موقفه. وبالعكس فعلت حين رأت في ملف مشروع بواخر الكهرباء ما يستوجب التصويب والتدخل، وهو مشروع صادر عن حليف، وكان مفترضًا بها أن تسايره وتماشيه. وهذا ما لم تفعله.
وهنا يمكن تفسير موقف "القوات اللبنانية" من خلال وجهتي نظر، الأولى تقول أنها لم تساير "التيار" في ملف الكهرباء، إقتناعًا منها بعدم جدواه الإقتصادية. أما الثانية فتقول أنها رأت في هذا الملف فرصة لتلميع صورتها لدى الفريق الآخر الذي لا يتفق مع سياسة العهد من جهة، ولإثبات وجودها على الساحة المسيحية من جهة ثانية، من خلال خوضها غمار المعركة الإنتخابية الوشيكة، في حال حصولها، من موقعها القوي.
في الأولى تبدو "القوات" أنها حقّقت هدفها الأول، والنتيجة ما لاقاه موقفها المعترض على خطة الكهرباء من صدى إيجابي لدى الرئيس نبيه بري، الذي عبّر بوضوح عن رأيه في الطريقة التي يتم فيها التعاطي مع هذا الملف.
أما في الثانية ففيها، في رأي بعض المتابعين، مغامرة غير مضمونة النتائج، خصوصًا إذا أقرّ القانون النسبي بعشر دوائر وبصوت تفضيلي على مستوى المحافظة، مما يقلصّ حجم حصتها النيابية إلى ما دون ما هو مأمول.
فهل تترك معارضة "القوات" لخطة الكهرباء آثارًا سلبية على علاقتها بـ"التيار"، أفقيًا وعموديًا، وهل سيوضع "إتفاق معراب" على خط التوتر العالي؟