ما لنا ولأصل كذبة أول نيسان. أيًا يكن مصدرها وتاريخها و"سيرتها الذاتية"، فهي لا تزال تقليدٌ يمارسه العديد من الناس حول العالم. في هذا اليوم، ثمة من يبتدع أكاذيب وشائعات ومقالب لإيقاع "ضحاياه" في موقف محرج أو طريف، في محاولة لاقتناص بعض لحظات الفرح والتسلية. واذا كان للكذب "شرعية" ما في الأربع والعشرين ساعة هذه، الا أنه يتخطى في بعض الأحيان "قوانينه" المرعية الإجراء، فتتحوّل النهفة الى نقمة.
في لبنان، لم تنحصر ممارسة طقوس هذا التاريخ بالمواطنين التوّاقين الى سحابة بهجة تخرق ضباب همومهم وحسب ، بل كانت بعض الوسائل الإعلامية تشارك بها، فتنشر أخبارًا كاذبة، يسهل في بلاد الفوضى تصديقها، لتعود وتعتذر من الشعب ببراءة. وهنا أيضًا، يحضر المصطلح في أكثر من مناسبة على مدار السنة، فيلصق مثلاً بإجراءات مستجدة قررت الدولة أن تطبقها أو بأحداث سياسية أو بقوانين...
واذا كانت بعض المقالب "النيسانية" يمحوها الفجر، فثمة ما لا يسقط من الذاكرة، ويتحوّل الى "مؤونة" يستعين بها صاحبها ليضفي أجواء من الفرح.
فماذا في جعبة شخصيات من أهل السياسة والفن والاعلام؟
نعوة في الجريدة
لعلّ ما حدث في العام 1986 لا يزال يرافق الصحافي والكاتب حبيب شلوق حتى الساعة. في استعادة لتفاصيل الأول من نيسان من تلك السنة، يخبر شلوق "لبنان24" أنه "استيقظ على صوت أخيه يعلمه بأن ثمة من يريد التكلم معه. ما إن رنّ جرس الهاتف، وتأكد المتصل، وهو أحد أصدقائه الصحافيين، بأنه حيّ يرزق حتى طلب منه الإطلاع على جريدتين، تحفظ عن ذكر اسميهما. كان خبر وفاته منشورًا مع كامل التفاصيل المتعلقة بأوقات التعازي ومكانها". يقول شلوق إن ثمة إشارات ارشدته في حينها الى هوية الأشخاص الذين لهم اليد الطولى في هذا العمل. ففي تلك الفترة كانت هناك خلافات بين جهات معيّنة فصارت تتبادل نعي بعضها البعض في الصحف فكان له أن أوقفها في جريدة "النهار". غير أنها عادت و"انتقمت" منه عبر نشر خبر وفاته، ما اعتبره شلوق كذبة "سمجة" ليس مسموحًا أن تمرّ.
قطع البثّ المباشر
أما الإذاعية المخضرمة في اذاعة "صوت لبنان" في الاشرفية سميرة قصابلي منيّر، فقد ضربت عصفورين بحجر واحد، في مقلب حضرّته بعناية فائقة ونفذته من دون "بنج". كان ذلك منذ أعوام كثيرة لدى تقديمها أحد البرامج الطبية التي تبثّ مباشرة على الهواء، وتتلقى في خلاله اتصالات من المستمعين. تخبر "لبنان24": "كان في ضيافتي أربعة أطباء، وكان موضوع الحلقة مثيرًا للجدل. بعد ترحيبي بالضيوف، عاجلتهم بإعلان صادم: للأسف، لقد تلقينا سيلاً من الإعتراضات على الموضوع، وبالتالي لا يمكننا طرحه واستكمال البرنامج. شكرًا لحضوركم". سارع مهندس الصوت الى بثّ أغنية بعد هذا الاعلان، لتنهال عليه اتصالات المستمعين المعترضين على إيقاف الحلقة، فيما كانت ضحكات منيّر تعمّ الاستوديو بعدما انطلى المقلب على ثلاثة من الاطباء، وهمّوا الى الرحيل بغضب قبل أن يكتشفوا مقلب الإعلامية المرحة دومًا.
خيانة زوجية
من ناحيته، يستذكر الإذاعي العامل في اذاعة "الشرق" هادي جبيلي في حديث لـ "لبنان24" أبرز وليدات مخيّلته في محطات عدّة في هذا الموسم، فيقول: "اتذكر ذاك الاتصال الذي أجريته مع فنان لأعرض عليه المشاركة بإحدى المسابقات على أن أبلغه بالإجابات على الاسئلة مسبقًا لكن بشرط أن نتشارك بالمبلغ المخصص للفائز. المفاجأة كانت أنه تجاوب مع الأمر، لأعود واكشف له أن الأمر لايعدو كونه كذبة مرتبطة بالأول من نيسان. كان الأمر فعلاً محرجاً بالنسبة اليه". وجبيلي الذي وقع أيضًا ضحية كذبة اول نيسان ليتحّوّل راهنًا الى محلل لكل ما يرده من معلومات وأخبار خوفًا من أن يكون من بينها ما هو مغلف بكذبة نيسان، يذكر أنه في أحد المرات، اتصل بصديقة له يسألها ما اذا كانت على خلاف مع زوجها، صديقه أيضًا، وذلك لأنه، ومنذ فترة يصادفه برفقة إحداهنّ. لكم أن تتخيّلوا ما فعله "المشاغب" بتلك السيدة! يكمل جبيلي: "اخبرتها أنه في هذا الوقت يتناول الغداء معها في مكان سميته لها، فتوجهت بسرعة البرق الى المكان حيث كنت وزوجها بالإنتظار لنكشف الكذبة، والمفارقة أنها لم تصدقنا مما اضطرنا لأن نقضي وقتا طويلا في تقديم ما يثبت الحقيقة".
"كاسبر" وسيجارة
واذا كان الممثل الكوميدي ميشال ابو سليمان قد اعتاد على إضحاك الناس، وقدّم خلال مسيرته الطويلة برامج مخصصة لتنفيذ مقالب بالناس، الا أنه لم يملّ من ابتكار خدع جديدة...يومياً! وعليه، لم يكن بوسعه تذكر حادثة طريفة حصلت معه في هذه المناسبة بالتحديد، لكنه كشف لـ "لبنان24" تفاصيل ضرب حديث، كان ضحيته زميله ماريو باسيل. فلقد طلب ابو سليمان منه التوقف عن التدخين في الكواليس والا سينسحب من المسرحية. كعادته، تلقف باسيل الفكرة بروح مرحة ومزاح. وفي ذات ليلة، كان ابو سليمان في المنزل، وكان زملاؤه في المسرح. جلس باسيل في الكواليس، واشعل سيجارة، واذ به يتلقى صورته في تلك اللحظة، على هاتفه، من قبل ابو سليمان ما غيره. و"جنون" مع باسيل الذي لم يعرف أن ابو سليمان طلب من زميله طوني ابو جودة تنفيذ هذا الضرب...
غمّة وربابة
اما الفنان والممثل كارلوس عازار، فيقرّ في حديث لـ "لبنان24" أن هذه المناسبة لا تعنيه كثيرًا، فهو اصلاً "يستلم نفسه" بشكل يوميّ: "أقف أمام المرآة و"ابرش" نفسي. اليس هذا أفضل من انتقاد الآخرين؟"، يسأل عازار، صاحب الروح المرحة والمتواضعة، مؤكدًا أن "اسلوب المزح يرافقني في كل حياتي". يكمل حديثه بالنبرة المهضومة ذاتها ويعترف: "ابتعد عن كلّ ما له علاقة بالهمّ والغمّ في الحياة. حتى "الغمّة" لا اتناولها. اتخيّل أن على من يتناولها إضافة موسيقى آلة الربابة ليكتمل المشهد"، يمازح. غير أن عازار، واسوة بشريحة واسعة من اللبنانيين، يعتبر أن كذبة اول نيسان سارية المفعول في كلّ أيام السنة، ويمارسها أهل الحكم في لبنان على الشعب المسكين، ليأتيه هذا التاريخ أيضًا "كشحمة على فطيرة".
السياسيون غير معنيين
ولا يبدو أن من أهل السياسة من يهتمّ لأمر هذه العادة السنوية! تبقى الأسباب مجهولة (النيّة صافية). علمًا أنهم قد يكونون ضحايا مقالب في طفولاتهم مثلاً. لكن معظمهم لا يتذكر. النائب ميشال موسى مثلاً لم يحضره أي حدث، وهذا اليوم لا يعنيه. وعلى رغم تشديده، في حديث لموقعنا على أن "العمل السياسي يتطلب جدية ورصانة"، يلفت الى أن "الكذبة البيضاء أو المزحة، في حياتنا الاجتماعية، ترطب الاجواء شرط أن تكون مدروسة ومحسوبة".
بيد أن زمليه في البرلمان الممدد له عنوة عن أصوات المواطنين، سيرج طورسركسيان، وبرغم ما يعرف عنه من خفّة ظلّ، الا أنه أبدى انزعاجًا من فكرة طرح السؤال عليه: "ثمة أمور أخرى أكثر أهمية لنتهمّ بها. صرت مقتنعًا فعلاً بأن شرخًا كبيرًا أصاب اللبنانيين. نحن وين وانتو وين؟!"
"معليش" يا صاحب السعادة. نحن في لبنان، نعم. بتنا نبحث عن البسمة كمن يفتّش عن إبرة في "كومة قشّ". وعن الحقيقة الضائعة في دهاليز ضيّقة. واقعنا المرير ليس كذبة. نوّد لو كان ثمة من يظهر بعد دقائق ليفاجئنا "هذه كذبة أول نيسان". أو أن نعامل بصدق، على الاقلّ، في هذا اليوم. نرضى. المهم أن نشعر ولو لمرّة واحدة أن الحياة "ضحك ولعب وجدّ وحب".
("لبنان 24")