توقفت أوساط سياسية رفيعة المستوى بإهتمام كبير عند قول رئيس تكتل "التغيير والإصلاح" النائب ميشال عون على إثر الإجتماع الإستثنائي لـ "التكتل" أمس، من أن الإرادة الشيعية تختار رئيس مجلس النواب والإرادة السنية تختار رئيس الحكومة فلماذا لا تكون للمسيحيين الإرادة نفسها في اختيار رئيس الجمهورية؟
وقالت هذه الأوساط لـ"لبنان24" إن "عون يدين نفسه بهذا الكلام، لأن المسلمين سنّة وشيعة كانوا وما زالوا منذ بداية الشغور الرئاسي ينشدون حصول توافق مسيحي على شخص رئيس الجمهورية العتيد، فهل هم اتفقوا في لحظة سياسية ما على مثل هذا الشخص ورفضه المسلمون؟".
وتضيف: "صحيح أن هناك قوى إقليمية ودولية لها تأثيرها عادة في الاستحقاق الرئاسي، ولكن التوافق الداخلي عموماً، والمسيحي خصوصاً، على شخص الرئيس العتيد يبقى الأساس لانجاز هذه العملية الدستورية".
وفي هذا السياق، تكشف الأوساط نفسها أن "رئيس مجلس النواب نبيه بري أبلغ الى الموفد البابوي الكاردينال مومبرتي الذي التقاه في الآونة الأخيرة أن المخاوف التي يبديها بعض القيادات والمرجعيات المسيحية السياسية والدينية حول مصير الرئيس المسيحي اللبناني الوحيد في العالم العربي هي مخاوف غير مبررة "لأن المسلمين يكادون يكونوا اكثر حرصاً من المسيحيين على ديمومة هذا الرئيس، واذا كان غير موجود فعلينا أن نوجده، ولذلك كنا ولا نزال نتطلع الى توافق مسيحي حول الاستحقاق الرئاسي يساعدنا على انتخاب رئيس جديد للجمهورية".
وتؤكد الأوساط نفسها أن "ما أعاق ولا يزال يعوق التوافق على انتخاب رئيس الجمهورية العتيد هو الترشيحان المستحيلان: ترشيح عون وترشيح رئيس حزب "القوات اللبنانية"، الأول مقبول لدى حلفائه ومرفوض لدى خصومه، والثاني مرفوض أيضاً من الحلفاء والخصوم، علماً أن خصوم كل من الرجلين وحلفائهما موجودان في الداخل والخارج، ما جعل ويجعل أفق الاستحقاق الرئاسي مقفلاً داخلياً واقليمياً ودولياً.
وهذه الحقيقة يدركها الجميع الى درجة أن فرنسا والفاتيكان الأكثر اهتماماً بهذا الإستحقاق وبمصير المسيحيين في لبنان والمشرق يدركان استحالة نفاذ أي من عون أو جعجع الى سدة الرئاسة اللبنانية، بل يعتبران أن المدخل الى انتخاب رئيس جديد يكمن في انسحابهما من ساحة السباق الرئاسي، وهو ما كان الموفد الرئاسي الفرنسي فرنسوا جيرو ابلغه صراحة الى المسؤولين في المملكة العربية السعودية والجمهورية الاسلامية الايرانية خلال جولاته المكوكية بين بيروت والرياض وطهران.
وتشير الأوساط نفسها الى أن الجميع، وخصوصاً الفريق الاسلامي، توسموا خيراً لجهة امكان حصول توافق مسيحي على الإستحقاق الرئاسي من خلال التقارب الذي حصل بين عون وجعجع وتوّجاه في اللقاء الاخير بينهما في الرابية، وما رافقه من "إعلان نيات" بين "التيار الوطني الحر" وحزب "القوات اللبنانية"، لكن هذا التقارب لم يظهر بعد انه اسس لتوافق مسيحي- مسيحي على الاستحقاق الرئاسي يشكل نواة توافق وطني عام على انتخاب الرئيس العتيد.
قبل لقاء الرابية كان عون يقول في مجالسه وامام القاصي والداني أن جعجع الذي ابدى الرغبة بزيارته، "اذا كان يريد أن يزورني لإبلاغي تأييده ترشيحي للرئاسة فأهلاً وسهلاً به، اما اذا كان يريد البحث معي في الاتفاق على مرشح ثالث، فعليه الا يكلف نفسه عناء الانتقال من معراب الى الرابية". ولكن بعد هذا اللقاء لم يظهر أن جعجع أيد ترشيح عون أو اتفق وإياه على مرشح ثالث، بدليل انهما تحاشيا الحديث عن الاستحقاق الرئاسي باستثناء اشارة يتيمة لعون قال فيها انه وضع وزائره موضوع الرئاسة في "القفص الذهبي".
ولكن السؤال الذي تطرحه الأوساط السياسية نفسها الآن هو: هل ان عون وجعجع اتفقا في لقاء الرابية على إجراء الاستطلاع المسيحي الذي اقترحه عون لإستبيان القيادة الأكثر تمثيلاً للمسيحيين ليتم اختيارها لرئاسة الجمهورية؟
وتجيب الأوساط على هذا السؤال مؤكدة أن "عون وجعجع لا يجدان غضاضة في إجراء مثل هذا الإستطلاع لأن نتيجته محسومة سلفاً لمصلحتهما. فعون يحل في المرتبة الأولى فيما جعجع يحل في المرتبة الثانية، وهذا الأمر واضح من الحجم التمثيلي لـ"التيار" و"القوات" على الارض، ولكن ترجمة هذه النتيجة عملياً ليست بالسهولة التي يعتقدان بها، اولاً لأن "النيات" بينهما لم تصفُ على رغم "إعلانها"، لأن عون كان ولا يزال يتصرف على قاعدة "أنا أو لا أحد" او "انا او من بعدي الطوفان"، فيما جعجع المقتنع فعلياً ان لا حظوظ له حالياً بالرئاسة لا يرى ضيراً في وضع نفسه على "لائحة الإنتظار" لوراثة عون سياسياً سواء انتخب الاخير رئيساً للجمهورية ام لا، وهو يعتقد بأنه اذا كان الآن غير مقبول للرئاسة فقد يصبح مقبولاً في المستقبل، وفي ادنى الحالات فإن مرتبته الثانية تمثيلياً بعد عون تؤهله لأن يكون مستقبلاً الناخب الاكبر في كل الاستحقاقات الداخلية.
تختم الأوساط الرفيعة أن كرة الإستحقاق الرئاسي هي داخلياً في ملعب القيادات المسيحية، وأن عون قبل أن يلقي اللوم على الآخرين واتهامهم بالتفرد في اختيار رئاستي المجلس النيابي والحكومة، والتهديد بـ"الانفجار"، عليه أن يلتفت الى الشارع المسيحي المتفجر خلافات صامتة وعلنية ويعمل مع بقية القيادات فيه على بلورة توافق على الاستحقاق الرئاسي لا يمكن الفريق الاسلامي، على تناقضاته السياسية، إلا السير به، علماً أنه كان عليه أن يتصرف على هذا الاساس منذ البداية بدل المراهنة على حوار مع تيار "المستقبل" انتهى الى صفر نتائج.
("لبنان24")