أمّا وقد تكرّم الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بتخصيص قرابةَ خمسةٍ وأربعينَ دقيقةً فقط من وقته الثمين لمناطق السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة في إطار جولته الخارجيّة الحاليّة، فإنّ نسبة الآمال التي ظلّت معلَّقةً حتّى الأمس القريب على إمكانيّة حدوث أيّ خرقٍ إيجابيٍّ من شأنه إعادة تحريك ملفّ المفاوضات بين الإسرائيليّين والفلسطينيّين، على أساس مبدأ حلّ الدولتين، سرعان ما تراجعت إلى حدّ الخيبة، ولا سيّما بعدما أصبح من الواضح جدًّا أنّ ملفّ إعادة إحياء مصطلح "البترودولار" في أدبيّات التخاطب بين الولايات المتّحدة الأميركيّة والمملكة العربيّة السعوديّة، وفقًا لما وشت به قيمة الصفقات السخيّة التي تمّ إبرامها خلال اليومين الماضيين، كان لا بدّ له من أن يطغى بأهميّته على غيره من الملفّات الأخرى في هذه المنطقة الشرق أوسطيّة الحافلة بالصراعات وبالدولارات، ليس بالضرورة لأنّ مدينة بيت لحم لا تملك أكثر من هدايا رمزيّةٍ، كالكوفيّة والزيّ الوطنيّ، يمكن أن تقدِّمها لسيّد البيت الأبيض ولعقيلته ميلانيا ولكريمته إيفانكا وحسب، بل لأنّ تجارب الماضي غالبًا ما أثبتت أنّ أكثر ما يخشى الأميركيّون الخوض في تفاصيله، منذ زمان كريستوفر كولومبوس ولغاية يومنا الراهن، لا يعدو عن كونه مجرَّد كلمةٍ واحدةٍ تتألّف باللاتينيّة من سبعةِ أحرفٍ، وتعني بالعربيّة: التاريخ.
على هذا الأساس، يُصبح في الإمكان القول إنّ ما تمّ الترويج له مؤخَّرًا عن أنّ الرئيس ترامب "جادٌّ إلى أبعد الحدود في السعي إلى اقتناص فرصةٍ نادرةٍ لتحقيق السلام في الشرق الأوسط" لم يعُد أكثر أو أقلّ من تحصيل حاصلٍ لما يكاد يُصبح الآن في خبرِ كانَ، أقلَّه على المدى المنظور، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ "الغَوغَلة الأميركيّة" في محرِّكات البحث عن جذور الصراع الشرق أوسطيّ، أو ربّما بعبارةٍ أدقّ، أنّ "الجُلجُلة الأميركيّة" على طريق البحث عن جذور هذا الصراع، لا بدّ من أن تتركَّز في الوقت الحاليّ، وحتّى إشعارٍ آخَر، على دراسة جدوى صفقات الأربعمئةِ مليارِ دولارٍ التي أُبرِمت نهار أمس الاثنين في مجال التسلُّح وتبادُل الخبرات بين الرياض وواشنطن، علاوةً على قيمة المئةِ مليونِ دولارٍ التي قيل إنّها خُصِّصت لتمويل مؤسَّسةٍ لم تُبصِرَ النور بعد، وتستهدف دعم السيّدة إيفانكا ترامب في مجال تقديم دعمها لقطاع "سيّدات الأعمال" في المنطقة، الأمر الذي يشي في المحصّلة النهائيّة بأنّ ملفّ الصراع العربيّ – الإسرائيليّ برمّته، وعلى رغم أهميّته البالغة في مجال توفير شروط الاستقرار في المنطقة إذا ما قُدِّر له أن يُوضَع على سكّة التسوية والحلّ، لم يعُد مدرجًا على رأس قائمة أولويّات الإدارة الأميركيّة الحاليّة، اللهمّ إلّا إذا استوجبت الملياراتُ السخيَّةُ المدفوعةُ سلفًا في قمم الرياض إتاحة الفرصة أمام الأميركيّين للتحدُّث بالإنابة عن الإسرائيليّين والفلسطينيّين عن شروط وضع التسوية المطلوبة.
الفزّاعة الإيرانيّة
لا شكّ في أنّ خطايا التصويب خلال قمم الرياض الآنفة الذكر على ما وُصِف بـ "الخطر الإيرانيّ" على دول الإقليم كانت بمثابة الثغرة التي أتاحت للرئيس الجمهوريّ دونالد ترامب الولوج منها لتسويق فكرته القائمة أصلًا على التحذير من مكامِن ذلك الخطر، بما يتناسق مع أبعاد شعارات حملته الانتخابيّة التي لم يكفّ عن رفعها في مواجهة غريمته الديمقراطيّة هيلاري كلينتون، علمًا أنّ ذلك الخطر الإيرانيّ المزعوم لطالما ظلّ جاهزًا للترويج في الأجندات الأميركيّة، حتّى خلال مرحلة ما قبل وصول الرئيس السابق باراك أوباما إلى البيت الأبيض، ولا سيّما إذا أعدنا للذاكرة تجربةً في غايةِ الأهميّة من حيث دلالاتها وأبعادها، وتتمثّل في أنّ تزامُن الإعلان عن اعتزام الرئيس الأميركيّ الأسبق جورج دبليو بوش القيام بآخر جولةٍ خليجيّةٍ قبيل انتهاء ولايته الرئاسيّة الثانية والأخيرة عام 2008 مع قيام زوارقَ حربيّةٍ إيرانيّةٍ بالاقتراب من البوارج الأميركيّة في بحر العرب، وما نجم عن ذلك من تأجيجٍ إعلاميٍّ وصل إلى حدّ التلويح بأنّ ثمّة حربًا عالميّةً ثالثةً أصبحت على وشك الاندلاع، وبالتالي إلى إلزام دول الخليج بشراء ما تيسَّر من الأسلحة الأميركيّة، وهي التجربة التي تبدو وكأنّها تتكرَّر حاليًّا في أجندات الجمهوريّين من الرؤساء الأميركيّين، ولكن مع فارقٍ واحدٍ يتمثّل في أنّ جورج دبليو بوش كان قد أنهى عهده باللجوء إلى استخدام هذا النوع من الابتزاز، بينما تدلّ المؤشِّرات على أنّ الرئيس الحاليّ دونالد ترامب يبدأ عهده للتوّ منتهجًا أسلوب الابتزاز نفسه.
وإذا كانت الفزّاعة الإيرانيّة قد شكّلت على مدى السنوات التسع الماضية مبرِّرًا كافيًا لتحفيز دول الخليج على الانصياع لإبرة بوصلة التوجُّهات الأميركيّة في المنطقة، سواءٌ عن طريق الترغيب أم عن طريق الترهيب، فإنّ اللافت هنا هو أنّ كافّة فزّاعات إدارات البيت الأبيض السابقة والراهنة، سواءٌ بحلَّتها الديمقراطيّة أم ببهرجتها الجمهوريّة، لم تحُل يومًا دون إصرار الإيرانيّين على ممارسة حقّهم الديمقراطيّ، في إطار الجمهوريّة الإسلاميّة، عن طريق التوجُّه إلى صناديق الاقتراع لاختيار رئيسهم المنتخَب ديمقراطيًّا، على غرار ما حصل في مطلع الأسبوع الجاري لدى إعادة انتخاب الرئيس الإصلاحيّ حسن روحاني لولايةٍ ثانيةٍ، وفقًا لكلّ ما تحمله طقوس الممارسة الديمقراطيّة في الأنظمة الجمهوريّة من معايير.
لبنان أوّلًا
هذه الانتخابات الإيرانيّة التي تزامَنت نتائجها مع إصدار إعلان قمم الرياض الخليجيّة – الإسلاميّة – الأميركيّة القائل بأنّ إيران مصدرٌ للإرهاب، والداعي إلى ضرورة كبح جماح توسُّعها في المنطقة، كان لا بدّ لها من أن تكون كافيةً لدفع الرئيس روحاني على الردّ بالتأكيد على أنّ لا أحد يحارب الإرهاب في المنطقة غير روسيا وحزب الله اللبنانيّ، قبل أن يُشير إلى أنّ اجتماع السعوديّة الأخير هو صوريٌّ ولا يحظى بأيّ قيمةٍ سياسيّةٍ له نظرًا لأنّ "مكافحة الإرهاب لا تكون بمؤتمراتٍ أو بإنفاق أموال الشعوب"، على حدّ تعبيره.
وإذا كانت تصريحات الرئيس روحاني قد أُدرجت في سياق أوّلِ ردِّ فعلٍ هجوميٍّ على ما تضمّنه "إعلان الرياض" من ادّعاءاتٍ بشأن تورُّط الإيرانيّين في إيجاد المناخات الملائمة لانتشار ظاهرة الإرهاب، فإنّ الأنظار لا بدّ من أن تتركَّز في الوقت الحاليّ على ما سوف يقوله الأمين العامّ لحزب الله السيّد حسن نصر الله في ذكرى التحرير بعد غدٍ الخميس، ولا سيّما أنّ القاصي والداني أصبح يُدرك بوضوحٍ السرّ الكامن في كلمة السرّ الخاصّة بتحديد هويّة الإرهابيّين الحقيقيّين.. وما على السيّد نصر الله إلّا أن يعيد للتاريخ قيمته، وما على اللبنانيّين، بأجمعهم هذه المرّة، وربّما الفلسطينيّين أيضًا، سوى انتظار خطاب السيّد نصر الله.. واليقين!