بالنظر الى الواقع السياسي اللبناني عبر المجهر الدولي والاقليمي نجد انه ما زال بعيدا كل البعد عن دائرة اهتمام القوى الخارجية لانشغالها بملفات أخرى اكثر حساسية وتأثيرا على مصالحها في المنطقة، وقد يكون هذا السبب وراء "التخبط" الحاصل في الساحة السياسية اللبنانية التي لم تكن فقط في ملف استحقاق الانتخابات النيابية وانما ايضا في الفترة التي سبقت خروج الاستحقاق الرئاسي من دوامة الفراغ، والذي يمكن تفسير مرده الى حالة "العزوبية" السياسية التي يعيشها لبنان مؤخرا والتي لم يعتد عليها منذ عقود في ظل الربط الدائم لقراره السياسي بـ "صفارة" توافق خارجية. ولكن السؤال الذي يطرح امام هذا الواقع، هل ان لبنان يعيش فعلا حالة من العزوبية السياسية على المستوى الخارجي أم ان ما هو فيه اليوم هو حالة من الهجر الخارجي المؤقت؟!
ربما بالعودة الى أبرز المستجدات الاخيرة التي شهدتها المنطقة والتي حظي فيها لبنان بموطىء قدم أو اهتمام، نجد انه حظي بمشاركة في قمة الرياض من خلال رئيس حكومته، وان حمل شكلها العديد من علامات الاستفهام، ومضمونها جاء خجولاً، اذ غابت عن القمة كلمة لبنان بالرغم من أنه من اكثر البلدان حاجة لايصال صوته في هذه المرحلة نظرا للمعاناة التي مرّ بها ومازال من جراء الازمة السورية، وذلك ان على مستوى مواجهة الارهاب او على مستوى ملف النازحين السوريين، والفرصة الحقيقية التي كان يمكن ان يمنحها منبر القمة في ايلاءه مزيد من الاهتمام والاولوية خاصة في معالجة هذه الملفات.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى، حصد لبنان دعم عسكري من خلال الزيارة التي قام بها قائد الجيش العماد جوزف عون الى واشنطن مطلع الشهر الماضي والتي توجت بتسليم السلطات الاميركية الأخير اسلحة متوسطة تبلغ قيمتها باكثر من 14 مليون دولار. الا ان هذه الخطوات الخارجية تجاه لبنان، وعلى اهميتها، لا يمكن وضعها في خانة الاهتمام والدعم الدولي أوالاقليمي الذي كان سابقاً يركز على تأمين الاستقرار السياسي والدعم الكبير لحلفاء قواه في لبنان، اذ ان الوضع اليوم اختلف، فالاهتمام الدولي والاقليمي اصبح يصب كل تركيزه على هدف وحيد وهو الاستقرار الامني للبنان فقط. في ظل غياب تام للحراك الدبلوماسي العربي والغربي عن الخطوط اللبنانية ومن كافة المحاور لاسيما المحورين السعودي والايراني، وذلك ان بطريقة مباشرة او غير مباشرة، بالتزامن مع صمت خارجي مطبق عن اي دعوة او حث لضرروة الاسراع في اجراء الانتخابات النيابية وابعاد البلد عن السقوط في هوة الفراغ، باستثناء الدعوة التي وجهها وكيل الامين العام للامم المتحدة للشؤون السياسية جفري فلتمان الى مجلس الامن بـ "إعادة تأكيد ضرورة اجراء الانتخابات اللبنانية خلال وقت قريب ضمن الأطر الدستورية واتخاذ لبنان خطوة عملية في مسألة نزع سلاح الميليشيات، وتأكيده على أعلى المستويات التزامه قرارات مجلس الامن وسياسة النأي بالنفس".
هذا الأمر يؤشر الى ان الانشغال الخارجي بملفات المنطقة ليس السبب الرئيس وراء غياب الاهتمام الخارجي بالوضع اللبناني وانما وجود ازمة ثقة خارجية في الطبقة السياسية الحالية في لبنان، والتي ربما ترى بانها لم تعد قادرة على الامساك باللعبة اللبنانية كالسابق وبالتالي قد آن الأوان لدخول لبنان مرحلة سياسية جديدة في شكلها وادواتها تكون صالحة للمرحلة المقبلة في ظل التغييرات التي تشهدها دول المنطقة سيما في سوريا حيث يبدو ان مشروع انشاء مناطق آمنة فيها، في طريقه للترجمات وستعقد للغاية بعد عدة ايام مباحثات روسية-اميركية عسكرية ودبلوماسية، ستتناول مساحة المنطقة الآمنة والمجلس المحلي والمراقبين والمساعدات الانسانية . يأتي ذلك بالتزامن مع ما اعلنته المتحدثة باسم وزارة الخاريجة الروسية "ماريا زاخاروفا" الاربعاء الماضي عن اشارات ايجابية في تطور الاوضاع عسكريا وسياسيا في سوريا.
اضف الى ذلك انصراف القوى الكبرى الى العمل على تعزيز موقعها في المنطقة من خلال تحصين وضعها الاقتصادي والنفطي والعسكري وخلق مساحات مشتركة مع القوى التي تستطيع تأمين هذه الاولويات وربما خير دليل على ذلك اللقاء الروسي السعودي الذي حصل مؤخرا والذي تبع القمة السعودية الاميركية، وما أثمر من تعاون، تصدر قائمته الملف النفطي ونجاح الطرفين في ارساء اساس قوي لاستقرار اسواقه واسعار الطاقة، قافزا بذلك فوق كل الحساسيات التي تربط الدب الروسي بخصم الرياض اللدود ايرن. الامر الذي يجعل من ايران في وضع متأرجح نتيجة الطوق الذي يجري شبك حلقاته حولها من مخلتف القوى الحليفة والخصوم .
امام هذا المشهد والتحولات الحاصلة، باتت القوى السياسية الداخلية اللبنانية من كلا الطرفين في حكم المجردة من الدعم والغطاء المنقطع النظير الذي كانت تتمتع به في الماضي، وكما يبدو ان الرسالة وصلتها وبات لزاما عليها انتزاع شوكها بيدها، ولم يعد أمامها من خيار سوى العمل على الاتفاق على قانون انتخاب جديد واجراء الانتخابات النيابية باقل خسائر ممكنة وهذا ربما ما يفسر التطورات التي شهدها هذا الملف مؤخراً، على ما يمكن ان يفرزه القانون الجديد من وجوه جديدة قد تكون قادرة على مواجهة المرحلة الصعبة التي يمر بها لبنان لاسيما في ظل الصغوطات الاقتصادية والاجتماعية الخانقة، والضغوطات الخارجية الخطرة والتي قد تتناول مزيد من العقوبات الاميركية على "حزب الله" والمقربين منه .
(ميرفت ملحم - محام بالاستئناف)