قضيّة مسرّحي الدفاع المدني لم تنته فصولاً، لا بل هي الفصل الأكثر إجحافاً وظلماً في سجل دولة تلفظ كبارها وتتركهم لمصيرهم، بعد أن تكون قد استفادت من خدماتهم الإنسانية طيلة عشرات السنوات. نتحدث عن حوالي مئة عنصر من الدفاع المدني، كانوا قد سرّحوا من مهماتهم لبلوغهم السنّ القانونية قبل صدور قانون تثبيت عناصر الدفاع المدني، وهم الذين خاضوا إلى جانب زملائهم نضالاً طويلاً لإقرار هذا القانون، وكانت صدمتهم عندما صدر القانون وشطب المادة المتعلقة بحقوقهم بالكامل، وهي التي تنصّ على إعطائهم راتباً تقاعدياً متواضعاً، يُعينهم على استكمال ما تبقى من حياتهم بشيء من الكرامة، وهم الذين لا يملكون أيّ مورد مادي.
لا أنسى تلك الجلسة التشريعية التي واكبتها للتغطية الإعلامية في 30-4-2014، وقبل أن أدخل القاعة العامة، إلتقيت ممثّلين عن مسرّحي الدفاع المدني وعلى رأسهم رئيس اللجنة أمين سماحة، وكلّهم أمل بإقرار القانون. كانوا إلى جانب زملائهم العاملين في الدفاع المدني المعتصمين بالتزامن مع الجلسة. في تلك اللحظة وعدتّهم بأن أخرج لأزفّ البشرى لهم فور إقرار القانون. كان كلّ شيء يؤشر إلى أنّ القانون سيُقر وسينصفهم، ولا سيّما أنّ في صلبه المادة التاسعة التي تنصّ على أحقيتهم براتب تقاعدي ولو متواضع، هذه المادة درستها مطولاً وأقرتها ثلاث لجان نيابية هي الإدارة والدفاع والمال، ولكنّ المفاجأة كانت عندما انبرى أحد الوزراء "الحريصين أشدّ الحرص على المال العام" وقدّم مداخلة مطولة اعترض خلالها بقوة على صرف أموال من الخزينة للمتقاعدين، بحجة أنّ هذا الأمر سيفتح أبواباً مغلقة، الدولة بغنى عنها. طبعاً لم يتحمس أحد من النواب والوزراء المتواجدين في القاعة العامة، لتذكير الوزير المنتمي إلى تيار لطالما اتُهم بإخفاء المليارات في عهد سابق، لتذكيره بأبواب الهدر والإنفاق في غير محله. ففئة المستضعفين قلّما تجد من يدافع عنها من داخل السلطة،علماً أنّ الراتب التقاعدي الذي يصل بحدّه الأقصى إلى 850 ألف ليرة لبنانية لمئة عنصر ليس بالرقم الذي يذكر.
فقط قلة من النواب لفتت المشرعين إلى صدور مرسوم رقم 4082 تاريخ 14-10-2000 يعطي فئة المسرحين حقّهم بالراتب التقاعدي، عندها لم يستجب الرئيس نبيه برّي لطلب "الوزير الحريص"، وبالحرف الواحد قال: "طالما هناك مرسوم بحقوقهم، لن أشطب هذه المادة،بل أحيلها إلى اللجان المختصة لمزيد من الدرس والعودة إلى الهيئة العامة بصيغة ما".
في الخارج كان وفد من المسرحين يتّكىء على عصا سنواته السبعينية وينتظر البُشرى، ولا أنكر صعوبة المهمة التي واجهتني في تلك اللحظات، فكان عليّ أن أفي بالوعد، ولا أملكه، لكن بهدوئهم ورصانتهم تلقوا الصدمة وقالوا "مبروك لزملائنا تثبيتهم، ونحن أصحاب حق، لبّينا نداء الوجب الإنساني طيلة أربعين عاماً. أسعفنا أبناء وطننا في أوقات الشدّة، ولن نستسلم. سنتابع المطالبة بحقوقنا".
وفي جلسة تشريعية عُقدت في كانون الثاني من العام الحالي قدّم النائب زياد أسود اقتراح قانون معجل مكرراً، لإستفادة مسرحي الدفاع المدني من أحكام لقانون الصادر عام 2014 باستثناء شرط المباراة ،ولكنّ الإقتراح سقط أيضاً، وأُعيد إلى لجنة الإدارة والعدل،ولا يزال في أدراج اللجنة منذ أكثر من خمسة أشهر.
" لبنان 24" واكب قضية مسرّحي الدفاع المدني منذ استثنائهم من القانون، واليوم يتابع معهم تطورات قضيتهم واتصالاتهم، وهذه الفئة التي تنتظر منذ سبعة عشرعاماً تطبيق المرسوم المتعلق بحقوقها. انتظرت عودة المؤسسات إلى عملها بعد انتخاب الرئيس العماد ميشال عون، وطلبت مواعيد من الرئاسات الأولى والثانية والثالثة ، وما زالت تنتظر موعداً لم يحدّد بعد، كما أكّد لنا رئيس لجنة مسرّحي الدفاع المدني أمين سماحة "منذ عدّة أشهرطلبنا المواعيدّ،وجهّزنا ملفاً كاملاً لنقدّمه ،يوجز قضية 100 عنصر من الدفاع المدني، خدمنا طيلة أربعين عاماً، قدّمنا شهداء خلال نداء الواجب ،وأسعفنا اللبنانيين في أوقات الشدة ، وأُصيب البعض منّا بعاهات دائمة ،ونحن اليوم بحاجة ماسّة للإسعاف ،فالعديد من المستشفيات لا تستقبل من يمرض منّا، ولا نملك ايّ ضمان صحي، كلّ أمنيتنا أن ينظر الرؤساء في قضيتنا ويتمّ أسعافنا".
وأضاف سماحة: "أعمارنا فوق 75، وتمّ تضخيم عددنا، فقيل نحن 600 عنصر وسنكلّف الدولة أموالاً، نصحّح ونقول عددنا مئة، والراتب التقاعدي لن يتجاوز 850 ألف ليرة، وسنعيد ما قبضناه من تعويض الضمان الإجتماعي إلى خزينة الدولة، ومدير عام وزارة المالية آلان بيفاني أوجد صيغة لنعيده على دفعات، والعديد منا مستعدّ لإعادته كاملاً ودفعة واحدة،وبالتالي تنتفي الكلفة المالية على الدولة، كلّ ما نطلبه هوراتب تقاعدي يقينا العوز، ونحن لا نملك مدخولاً آخر".
كلّ ما يسعنا أن نقوله في دولة تستعجل رحيل كبارها، وتتمسك بترك غصّة في قلوبهم، بعد أن تكون قد استنزفت كلّ طاقاتهم، أنّ قضية مسرحي الدفاع المدني عار على دولة المؤسسات، وعلى أمل أن يُستجاب لهم،سنبقى عبر منبرنا من أشدّ المدافعين عنهم.