قد نكون، من حيث ندري أو لا ندري، جزءًا من منظومة "البروباغندا" الشمولية، أو حلقة في سلسلة المصطادين في مياه مصائب الناس العكرة، من خلال إنسياقنا الغريزي وراء مرض الإعلام المعاصر، أو ما بات يُعرف بوسائل التواصل الإجتماعي، التي قد تسمح لنفسها بالمتاجرة بأوجاع الناس، فتصبح مصائبهم عندنا فوائد، وهاجسنا الأول وربما الأخير هو ما يُسمى "الترافيك" و"الرايتنغ" وكسب أكبر نسبة مشاهدة، من دون أن ندري أو لا ندري كم يكون هذا التسابق السخيف على حساب الآخرين مكلفًا وموجعًا في آن.
بالأمس قالت نقابة الأطباء كلمتها في ما آلت إليه الأمور مع الطبيب التجميلي نادر صعب، بعد وفاة السيدة فرح قصّاب، على أثر إجرائه لها عملية شفط دهون، وما نتج عنها من مضاعفات لا تزال ملابساتها غامضة حتى صدور نتائج التحقيقات الطبية والقضائية. وقالت النقابة أن الطبيب التجميلي صعب هو طبيب مجاز ومنتسب إلى النقابة بموجب شهاداته المعترف بها طبيًّا، مع تسجيلها ما سبق أن أخذ عليه لجهة ترويجه لمستشفاه من خلال الحملات الإعلانية، وهذا ما لا يسمح به قانون مزاولة مهنة الطب.
ويبقى أن يقول القضاء كلمته لتبيان الخيط الأبيض من الخيط الأسود، ولمعرفة حقيقة ما حصل للفقيدة فرح، التي حُرمت باكرًا من فرحة الحياة، ولم يبتسم لها القدر كغيرها من النساء اللواتي يقصدن عادة أطباء التجميل للإعتناء بجمالهن، الذي لم يعد الوصول إليه صعبًا، وإن كان قد أصبح الجمال الطبيعي من النوادر في هذه الأيام.
وقبل أن يلفظ القضاء قراره الظني يبقى كل ما يقال محض إستنتاجات شخصية، مع الأخذ في الإعتبار هول ما حلّ بعائلة فرح من فاجعة ومدى هول الصدمة الكبيرة عليها وعلى زوجها وأولادها بالأخصّ، الذين حُرموا منها باكرًا، وهي لا تزال في عزّ شبابها، على رغم أن الدكتور صعب يتحمّل كامل مسؤولية الوفاة لعدّة أسباب، كان من المفروض على وزارة الصحة ونقابة الأطباء التنبه إليها قبل وقوع الكارثة، وقبل فوات الآوان حيث لم يعد ينفع الندم، ولم يعد ينفع أيضًا اللجوء إلى تدابير مستلحقة بعد وقوع الكارثة، وهذا ما "يميز" أي قرار رسمي يُتخذ عادة بعد إكتشاف الواقعة وبعد أن تحلّ الكوارث وتعمّ الفوضى، وكأن لا أفق مستقبليًا لكثير من المسؤولين المفترض بهم توقع الأشياء قبل حدوثها وإتخاذ الإجراءات الضرورية قبل حلول الكوارث، على أي مستوى وفي أكثر من مكان ومناسبة، والأمثلة في هذا المجال لا تعدّ ولا تُحصى.
فأيًّا تكن نتيجة التحقيق فإن فرح لن تعود إليها بهجة الحياة ولن يسمع أطفالها بعد اليوم صوتها الحنون ولن يستطيعوا أن ينادوها لإعانتهم ومدّ يديها إليهم، ولكن ما هو أكيد أنه لن يموت بعد اليوم مريض نتيجة إهمال بعض التفاصيل المهمة، ولن يُسمح لأيّ كان بتجاوز القوانين والتصرّف على أساس "يار أرض إشتدّي ما في حدا قدّي".
فنادر صعب ليس أول طبيب ولن يكون الآخر يرتكب أخطاء، وجلّ من لا يخطئ في التقدير وفي التدبير، ولكن الأهم أن يُستفاد من الأخطاء لتجنب تكرارها، وألاّ يكثر السلاخون في مثل هذه الحالات.