قد يكون من المبكر الحكم في شكل مباشر على تداعيات الأزمة الناشبة بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات، ومعهما مصر، من جهة، وبين دولة قطر من جهة ثانية، وإن كانت كل الدلائل تشير إلى أن هذه الأزمة ستطول، على رغم الوساطة الكويتية، التي يبدو أنها من بين المتضررين الرئيسيين لتدهور العلاقات بين دول الخليج العربي.
وما حدث بالأمس في طهران، وقد تبنى تنظيم "داعش" مسؤوليته عن التفجيرين اللذين أستهدفا مقر البرلمان الإيراني ومرقد الأمام الخميني، قد يؤسس لمرحلة جديدة من التطورات الدراماتيكية، التي كانت تتخذ حتى الأمس القريب من سوريا والعراق واليمن ساحة لتصفية الحسابات ولتأجيج الحرب المذهبية، والتي يُرّجح أن تتخطى تلك الساحة "التقليدية" لصراعات لم يعد يُعرف المتداخلون فيها، لتصل إلى العمق العربي، مع ما يعنيه ذلك من تحوّل الصراع السعودي – الإيراني من التراشق "البرابولي" إلى التراشق بـ"السلاح المباشر"، وحتى بـ"السلاح الأبيض"، لما بين الدولتين من تراكمات تتأجج وتتظهر إلى العلن في فترات متتالية وغير بعيدة لا بالزمن ولا بالمكان، وتُترجم على الأرض خلافات وصراعات متعددة الأشكال.
ولأن لبنان يتأثر كثيرًا بكل تطور يحصل في المنطقة وترتدّ مفاعيله على الداخل وعلى وضعه الإقتصادي والسياحي فإن ما يمكن أن يتخذه المسؤولون فيه من مواقف قد تنسحب على مجمل مشاكله الكثيرة، وقد يكون لها إرتدادات سلبية، خصوصًا أن الساحة اللبنانية منقسمة بين "معسكرين"، ولكل منهما توجهاته السياسية المعروفة، والتي يمكن أن تتظهر إنعكاساتها على الأرض توترًا، في ظل الإنقسام العمودي الذي قد يتخذ أشكالًا مختلفة لا تصّب في خانة الإيجابيات.
ولا يخفى أن ما لهذه الخصوصية من أسباب معروفة من القاصي ومن الداني لا تسمح بالذهاب بعيدًا في التموضع مع هذا الفريق ضد تلك الجهة، مما يفتح الباب واسعًا أمام إحتمالات دراماتيكية قد يكون لها إنعكاسات سلبية جدًا في وقت لا تزال تأثيرات الحرب السورية ماثلة للعيان، وفي الوقت التي تتكاثر فيه المعلومات عن إحتمال تحريك الخلايا الإرهابية النائمة وإمكانية قيامها بإعمال تخريبية من شأنها أن تدخل لبنان في أتون الحرب الإقليمية، بإعتبار أن كل طرف يرى أن من ليس معنا فهو حتمًا ضدنا، مع ما يعنيه ذلك من أن لبنان الرسمي سيجد نفسه مجبرًا على إتخاذ موقف محايد من هذا الصراع القديم ـ الجديد، بإعتباره أقل ضررًا من أي موقف آخر، في إنتظار أن تنجلي الصورة وتنقشع غبار المعركة ويتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود.
فالمغامرات السياسية، كما يراها بعض الذين يُعتبرون من "الحكماء"، غير محبذة في الوقت الراهن، بإعتبار أن أي "زحطة" ستكّلف لبنان كثيرًا، وهو غير مؤهل لتحمّل أي خضّات، لا على المستوى السياسي ولا على المستوى الأمني أو الإقتصادي، إذ يكفيه ما يعانيه من تأثيرات الحرب السورية ومن مفاعيل النزوح السوري، لأن من كان وراء تسويات الطائف والدوحة منهمكون بتسوية أوضاعهم قبل أي أمر آخر.