يشي بعض كلام الأقلام بأنّ التوافق الليبيّ الأخير على تنفيذ قرار العفو عن المعتقلين السياسيّين في البلاد، بمن فيهم سيف الإسلام القذّافي، لم يكن ليُقدَّر له الاكتمال على هذا النحو من السلاسة لولا النتائج الإيجابيّة التي تمخّضت عن نجاح جهود دولة الإمارات العربيّة المتّحدة في جمع رئيس حكومة الوفاق فايز السرّاج مع القائد العامّ للجيش الوطنيّ المشير خليفة حفتر في أبو ظبي يوم الثاني من شهر أيّار الفائت، ولا سيّما بعدما أصبح في حكم المؤكَّد أنّ ما أظهره الرجلان بخصوص رغبتهما المشتركة في العمل على توفير الأجواء اللازمة لإجراء الانتخابات الرئاسيّة والبرلمانيّة في غضون ستّةٍ أشهرٍ من تاريخ لقائهما، تمهيدًا لإتمام المصالحة بين كافّة الفصائل والقبائل المحلّيّة المتصارعة، كان لا بدّ له من أن يستوجب تفاهمهما أيضًا على ضرورة إشراك عددٍ من الشخصيّات السياسيّة المؤثِّرة وذات الصلة بنظام العقيد الراحل معمّر القذّافي في عمليّة رسم ملامح المستقبل، وذلك لأسبابٍ عديدةٍ، يُقال إنّ أبرزها في الوقت الراهن، ووفقًا لما ورد في تقاريرَ استخباراتيّةٍ روسيّةٍ حديثةٍ، يعود إلى وجود شبه إجماعٍ ضمنيٍّ في أوساط الدول المعنيّة بالملفّ الليبيّ، سواءٌ العربيّة منها أم غير العربيّة، حول أهمّيّة تكليف سيف الإسلام شخصيًّا بلعب دورٍ رياديٍّ في هذا المجال.
لا شكّ في أنّ تصاعد الدخان الأبيض لهذه المصالحة المرتقبة من أبو ظبي بالتحديد، وقبل قرابة شهرٍ واحدٍ من وضع قرار العفو المذكور حيِّز التنفيذ، حمل في سياقه ما يكفي من الدلالات للتأكيد على مدى الاهتمام الذي توليه القيادة الإماراتيّة للمسألة الليبيّة، تمامًا مثلما مهَّد أيضًا في المقابل لإطلاق تسريباتٍ مؤدّاها أنّ القياديّ الأمنيّ السابق في حركة فتح العقيد محمد دحلان، الذي يعمل حاليًّا بصفة مستشارٍ لوليّ عهد الإمارة الشيخ محمد بن زايد، قد يكون صاحب الفضل الأكبر في تحقيق الإنجازات الأخيرة، سواءٌ بين السرّاج وحفتر في العاصمة الإماراتيّة أم مع قيادات "كتيبة أبو بكر الصدّيق" في مدينة الزنتان جنوب غربيّ العاصمة الليبيّة، الأمر الذي أدّى في نهاية المطاف إلى التعجيل في الإفراج عن سيف الإسلام القذّافي المرتبط أصلًا مع دحلان بعلاقة صداقةٍ وطيدةٍ تعود إلى أكثر من خمسة عشر عامًا من الزمان.
موسم الصفقات
ولكن بغضّ النظر عمّا إذا كان الفضل المنسوب للقياديّ الفلسطينيّ السابق في إنعاش الحالة الليبيّة الراهنة حقيقيًّا أم إنّه مجرَّد تخمينٍ خاضعٍ لمزاجيّةِ التكهُّنات، فإنّ أكثر ما بدا لافتًا في التقارير الاستخباراتيّة الروسيّة الآنفة الذكر كان قد تجلّى بوضوحٍ بين سطور فقرة هامّةٍ تحدَّثت عن أنّ التفسير المنطقيّ لاستمرار عدم ظهور أيّ أثرٍ للقذّافي الابن منذ الإعلان عن إطلاق سراحه نهار الجمعة الماضي ولغاية اليوم، وتزامُن ذلك مع استمرار مطالبة المحكمة الجنائيّة الدوليّة باعتقاله مجدَّدًا من أجل مقاضاته بتهمٍ تتعلَّق بتورُّطه المحتمَل بارتكاب جرائمَ ضدّ الإنسانيّة عام 2011، لا بدّ من أن يشي في بعض تجلّياته بوجود صفقاتٍ سرّيّةٍ تجري للتوّ خلف الكواليس بشأن تحديد الشكل النهائيّ للسيناريو الذي يُفترض أن يحدِّد مسار ومواقف وتوجُّهات سيف الإسلام العائد إلى الحياة السياسيّة حرًّا طليقًا بعدما أمضى قرابة ستّةِ أعوامٍ رهن الاعتقال، وخصوصًا فيما يتعلَّق بـ "كنز المعلومات" الذي يملكه حول وقائع الأشهر الأخيرة من عهد والده في "باب العزيزيّة" وما تخلَّلها من تفاصيل.
وإذا كانت التقارير الاستخباراتيّة الروسيّة قد توقّعت أن يُصار إلى احتواء قضيّة سيف الإسلام مع المحكمة الجنائيّة الدوليّة وفقًا لنفس الآليّة التي تمّ استخدامها في السابق مع الرئيس السودانيّ عمر البشير أثناء اشتداد أزمة دارفور، فإنّ ذلك لا بدّ من أن يعني في إطار ما يعنيه أنّ أهمّ ما ينبغي على سيف الإسلام فعله في الوقت الحاليّ هو القبول بالشروط التي ستفرضها عليه الدول المعنيّة بالملفّ الليبيّ إذا ما أراد لنفسه أن يواصل حياته بحرّيّةٍ، وإلّا فإنّ الآليّة التي تمّ استخدامها مع الرئيس اليوغسلافيّ سلوبودان ميلوسوفيتش في أعقاب الانتهاء من تسوية أزمة كوسوفو بين عاميْ 1999 و2001 ستطرق بابه من جديد.
الأزمة القطريّة
ولعلّ اللافت هنا هو أنّ أكثر ما تحتاج إليه هذه الدول في الوقت الحاليّ يتمثّل في وجوب قيام القذّافي الابن بتقديم شهادته كاملةً حول الدور المنسوب لدولة قطر في الإطاحة بنظام والده بين شهريْ شباط وتشرين الأوّل عام 2011، بما من شأنه تعزيز المواقف الخليجيّة الراهنة المتّخَذة ضدّ الدوحة على خلفيّة ما يُنسب إليها من "نشاطاتٍ ذاتِ صلةٍ بالإرهاب"، الأمر الذي سرعان ما حفَّز أحد المستشارين السابقين لسيف الإسلام، ويدعى محمد رشيد المعروف أيضًا باسم خالد سلام، على المبادرة بنشر تغريدةٍ على موقع "تويتر" يذكِّر فيها بمكالمةٍ هاتفيّةٍ خطيرةٍ جرت على خلفيّة افتتاح موسم "ربيع العرب" في تونس بين أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني والعقيد الليبيّ معمّر القذّافي، موضحًا أنّ العقيد الراحل عنّف الأمير بسبب تدخُّله في الأزمة التونسيّة وما ترافق مع ذلك من تحطيمٍ للاقتصاد وانتشارٍ لظاهرة الإرهاب، وكاشِفًا عن أنّ الردّ على هذه المكالمة جاء في الليلة نفسها عندما اتّصل الشيخ تميم بن حمد بسيف الإسلام ليبلغه بأنّ الدور أصبح الآن على ليبيا، وبأنّ ملفّها أصبح جاهزًا، بحسب ما ورد في التغريدة.
مقابلة الجزيرة
وعلى رغم أنّ محمد رشيد، أو خالد سلام، هو صاحب شخصيّةٍ كاريزميّةٍ لطالما ظلّت تثير الجدل منذ انتقاله من الجبهة الديمقراطيّة لتحرير فلسطين للالتحاق بحركة فتح أثناء محاصرة قادتها في مدينة طرابلس عام 1983، حيث شغل وقتذاك منصب المستشار الإعلاميّ للراحل خليل الوزير (أبو جهاد)، قبل أن تحمله رياح "حمّامات الشطّ" في تونس للارتقاء إلى منصب المستشار الاقتصاديّ للرئيس الراحل ياسر عرفات، ومن ثمّ إلى الدخول في شراكاتٍ تجاريّةٍ متعدِّدةٍ مع عومري أرييل شارون وغيره من الشخصيّات الإسرائيليّة، قبل أن يصل إلى سيف الإسلام القذّافي، فإنّه ظلّ على الدوام أحد أقرب المقرَّبين من محمد دحلان، الأمر الذي يتجلّى بوضوحٍ إذا ما استحضرنا وقائع المقابلة التلفزيونيّة الشهيرة التي أجراها معه مراسل قناة الجزيرة الفضائيّة في لندن ناصر البدري في شهر آب عام 2011، أي قبل الإطاحة بالنظام الليبيّ بقرابة الشهر، وخصوصًا عندما أعلن أنّ محمد دحلان هو الذي عرَّفه على سيف الإسلام من دون أيّ ترتيبٍ مسبَقٍ، وذلك أثناء وجود الثلاثة في العاصمة البريطانيّة بالصدفة في أحد أيّام عام 2003، قبل أن يلتقي به لاحقًا على انفرادٍ لمناقشة سبل المساعدة التي يمكنه تقديمها للقيادة الليبيّة من أجل تسوية أزمة أسلحتها النوويّة وحلحلة عُقَد دفع التعويضات لعائلات ضحايا تفجير طائرة الـ "بان أميركان" فوق مدينة لوكربي في اسكوتلاندا، تمهيدًا لفتح صفحةٍ جديدةٍ من ملفّ علاقات ليبيا مع الغرب.
وإذا كانت المقابلة التلفزيونيّة المذكورة تعتبر نادرةً بكلّ ما في الكلمة من معنى منذ ظهور محمد رشيد بصفة المتحدّث الرسميّ عن حالة الرئيس الراحل ياسر عرفات الصحّيّة أثناء وجوده في المستشفى التي توفيّ على أحد أسرّتها في فرنسا عام 2004 ولغاية اليوم، فإنّ أهمّ ما جاء فيها، وربّما أخطره، يتمثّل في أنّ إجابة صاحب هذه الشخصيّة المثيرة للجدل على سؤال مراسل الجزيرة عمّا إذا كان سيف الإسلام القذّافي قد تقرَّب منه بسبب تمتُّعه بعلاقاتٍ وطيدةٍ مع الإسرائيليّين، اقتصرت بدورها على التساؤل عمّا إذا كان السؤال يستهدف تقديمَ شهادةٍ حسَنةٍ أو توجيهَ تهمة، قبل أن يُضيف على هذا الجواب ضحكةً مثيرةً للجدل أيضًا، ولا يزال صداها محفوظًا في الأرشيف.. وأغلبّ الظنّ أنّ هذه الضحكة تبدو كافيةً في الوقت الحاليّ لكي تخبّىء وراءها الكثير من الأيادي الخفيّة التي ما زالت فاعلةً بقوّةٍ في مجال تحريك الأزمة الليبيّة وغيرها من الأزمات.. وأغلب الظنّ أيضًا أنّ بعض الظنّ بهذه الأيادي ليس إثمًا في المرحلة العربيّة الراهنة، وإنّما مجرَّد اسم!