منذ أن دخل إلى الحياة السياسية، وقبل أن يتسلم مفاتيح الصيفي، لا يعجبه العجب ولا حتى الصيام في رجب. فهو يحمل دائمًا السلم بالعرض. ولا يترك لا شاردة ولا واردة إلاّ ويكون له في كل "عرس قرص". يقارب المواضيع المطروحة على بساط البحث من زاوية مسنّنة وحادة. يذهب بطروحاته إلى الأقصى. فهو ناقد لاذع. لا يهادن ولا يساوم. الأبيض عنده ابيض. وكذلك الأسود. أما الرمادي فلا مكان له في قاموسه السياسي.
فجّ هو إلى حدّ المبالغة. وصريح إلى حدّ أنه لم يبقَ له صاحب، لا في الساحة المسيحية ولا في الساحات الأخرى. فإلى لائحة الزعلانين منه في الوسط المسيحي إنضّم أخيرًا الرئيس سعد الحريري، من دون أن يُعرف بالتحديد ما سبب عدم توزيره في حكومة "إستعادة الثقة"، ومن وراء هذا الحرد غير المبرر.
سامي الجميل يغرد وحيدًا خارج السرب، حتى يكاد يكون المعارض شبه الوحيد، إذا ما استثنينا المعارضات الأخرى، التي تندرج في خانة "المعارضة البناءة والإيجابية". إنه معارض بالفطرة، ليس لأنه اليوم خارج السلطة، بل كان كذلك يوم كان ممثلًا بثلاثة وزراء في حكومة "المصلحة الوطنية". ولأن مشاريع الحلول لأزمة النفايات لم تعجبه قرر الإستقالة، وإن كانت إستقالة ناقصة، إذ بقي الوزير رمزي جريج داخل جدران السراي، وهو الذي لم يعتبر نفسه محسوبًا على الكتائب، وإن كانت هي من رشحته لتولي حقيبة وزارية، فكانت وزارة الإعلام من نصيبه وكان يفضّل العدلية. وكذلك فعل الوزير سجعان قزي الذي أصرّ على بقائه في "العمل" الحكومي على رغم تهديده بالإقالة.
هكذا هو سامي الجميل. فإما أن تقبله كما هو وإما أن تبتعد عنه. وفي كلا الحالين هو متعب، سواء كنت معه أو عاديته. فإذا كنت إلى جانبه فهذا يعني أن لا راحة ولا نوم، بل عمل متواصل. أما إذا سرت في الخط المعاكس لما يراه صوابًا فهو لن يرحمك، وسيكون طيفه حاضرًا عند كل منعطف، وسيكون لك بالمرصاد ولن تسلم من لسانه، وهو لم يوفّر الحكومة أخيرًا حين اتهمها بأنها مدّدت 11 شهرًا للمجلس الحالي لكي تستطيع أن "تتبحبح" في رشوة الناس. فكان إشتباك بينه وبين الرئيس الحريري الذي أنسحب من الجلسة ولم يعد إليها إلاّ بعد إنتهاء "الشيخ" سامي من إلقاء كلمته. ولأن كلامه كان من العيار الثقيل لجأ الرئيس بري إلى شطبه من محضر الجلسة.
ولأن رئيس الجمهورية هو "بي الكل" وجه إليه الشيخ سامي، وهو أصغر من أصغر أولاده، سؤالًا عن سبب إقصاء حزب الكتائب عن طاولة بعبدا، ولم يأته الجواب، وهو وإن أتى فلن يقتنع به، إعتقادًا منه بأن المبررات التي تعطى غير كافية وغير مسندة بحجج دامغة، وهي أن الدعوة وجهّت إلى رؤساء الأحزاب المشاركة في الحكومة من أجل البحث في طريقة تفعيل العمل في مجلسي النواب والحكومة.
فلو دعي حزب الكتائب وغيره من القوى السياسية غير الممثلة في الحكومة، وهي تمثّل الرأي الآخر، إلى لقاء الخميس، فهل كان العهد يُعدّ بذلك رابحًا أم خاسرًا؟
فبين الربح والخسارة قد يكون من المفيد عدم خسارة الصديق وبالتالي العمل لربح "العدو" أو الخصم. وبذلك تكتمل "سيبة" الحكم الحَكم، ويكون لقاء الخميس ذات جدوى وطنية شاملة.