شكّلت وثيقة بعبدا، التي أعلنت قبل أسبوع من اليوم، والتي شارك فيها رؤساء الأحزاب الممثلة في الحكومة، مادة دسمة لجميع المعنيين، الذين أنكبوا على درسها وتشريحها في خلال عطلة عيد الفطر، تمهيدًا لمعرفة كيفية تطبيق ما ورد فيها من بنود من خلال ما يمكن أن يتخذ حيالها من إجراءات عملية تساعد على بناء الدولة، وهي عبارة ترد عادة في كل البيانات الوزارية وفي كلام المسؤولين، من دون أن يكون لها ترجمة عملية، وتبقى مجرد شعار يتردد في كل المناسبات وفي كل الظروف.
وما لفت أكثر من متابع ما ورد في وثيقة بعبدا من عبارات قديمة – جديدة، يجدر التوقف عندها، وهي تحتاج أكثر إلى إرادة وطنية جامعة، وهذا ما لم يكن متوافرًا في لقاء القصر الجمهوري، لكي تخرج من إطار التمنيات لتدخل في مسار الحيز التنفيذي، ومن بينها:
أولًا: ورد في الشق الميثاقي للوثيقة ربط بين الدولة المدنية الشاملة وضرورة تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية.
فبغض النظر عن أهمية هذه النقطة المحورية، فإن تجارب الماضي لا تشجّع كثيرًا على التفاؤل بإمكانية تحقيق الدولة المدنية من خلال آليات إلغاء الطائفية، خصوصًا أن هذا المطلب كان جزءًا أساسياً في إتفاق الطائف، والذي لم يطبّق وبقي حبرًا على ورق، على رغم إعتراف الجميع من دون إستثناء بأن الطائفية هي علّة العلل، وأن إلغاءها يشكّل المدخل الإلزامي للدولة العصرية القائمة على الكفاءة والتميّز، من دون أن يكون للحصص الطائفية دور في إبقاء لبنان أسير ما درج عليه لجهة الـ 6 و6 مكرر، مع ما لازم هذه التركيبة من ممارسات خاطئة جعلت من إدارات الدولة محميات طوائفية.
ثانيًا: على رغم تشديد الوثيقة على رفض "التوطين المعلن والمقنّع" فإن ما تضمنته من مخاوف "كنتنة لبنان وتقوقع اللبنانيين" لم يشر صراحة إلى أزمة النازحين السوريين وإنعكاساتها السلبية على أوضاعه الإقتصادية والإجتماعية والأمنية والديموغرافية.
وبغياب الرؤية الواضحة لمعالجة هذه الأزمة، التي تُعتبر مستعصية، وهي التي ينتج عنها أهمّ المشاكل التي يعاني منها لبنان في الوقت الراهن، فضلًا عن مشاكله البنيوية الأساسية الناجمة عن خلل في تركيبته الطائفية وفي وضعيته غير السوية على المستوى البنيوي لمؤسساته القائمة على ولاء المواطن لمرجعياته الطائفية والمذهبية والحزبية والمناطقية.
ثالثًا: لم يخلُ بيان وزاري أو خطاب سياسي من لازمة ضرورة إقرار
اللامركزية الادارية في أقرب وقت ممكن، وهذا ما ورد في وثيقة بعبدا، التي قالت أن الغاية من اللامركزية الادارية هو "تثبيت اللبناني في مواطنه الأصلية، وتأمين حقه الكامل في الإنماء المتوازن على مساحة وطنه. وذلك عبر بناء الدولة العصرية العادلة القوية المساوية بين اللبنانيين في حقوقهم وواجباتهم، وتكريس السعي الفعلي إلى اقتصاد غير ريعي لا بل منتج، يؤمن تجذير اللبناني في أرضه"، من دون أن تتطرق هذه الوثيقة إلى الآلية التنفيذية لإقرار هذه اللامركزية، التي لكثرة ما سمعنا بها وتردّدت على مسامعنا أصبحت شبيهة بحكاية إبريق الزيت، التي لا أول لها ولا نهاية، وهي تتكرر في كل مناسبة للمزايدة وللشعبوية ليس إلاّ.
أما ما ورد في الشقين الإقتصادي والإصلاحي في الوثيقة فلنا إليه عودة مفصّلة لاحقًا، من دون أن نغفل أن هذه الوثيقة لم يرد فيها ذكر، ولو من باب رفع العتب، عن السلاح غير الشرعي، وضرورة نأي لبنان بنفسه عن أزمات المنطقة، تأثيرًا وتأثّرًا.