يُحكى أنّ عنصريْن تابعيْن لمصلحة شرطة الآداب القبرصيّة تصادفا ذات يومٍ من أيّامِ عام 1963 مع سيّدةٍ بريطانيّةٍ بينما كانت تتمدَّد بالـ "بيكيني" على شاطىء البحر قرب مدينة لارنكا، فما كان منهما إلّا أن توجَّها صوبها بعفويّةٍ تامّةٍ من أجل إبلاغها بعدم جواز ارتدائها لباسَ سباحةٍ مؤلَّفًا من قطعتين منفصلتين عن بعضهما البعض في الأماكن العامّة، نظرًا لأنّ القوانين التي سُنَّت في أعقاب حصول الجزيرة على استقلالها في وقتٍ سابقٍ من ذلك العام عن عرش صاحبة الجلالة في قصر باكينغهام العريق في لندن، لصالح الأسقف ميخاليس موسخوس مكاريوس الذي شغِل منصبَ أوّلِ رئيسٍ للجمهوريّة الوليدة، كانت تنصّ، ولاعتباراتٍ أخلاقيّةٍ بحتةٍ، على وجوب ارتداء السيّدات لدى خروجهنَّ إلى الشواطىء ملابسَ سباحةٍ مفصَّلةً من قطعةٍ واحدةٍ، الأمر الذي لم يترك من مجالٍ أمام سيّدة الـ"بيكيني" البريطانيّة سوى الردّ على عنصريْ شرطة الآداب، بنفس عفويّتهما، سائلةً: "حسنًا أيّها السادة.. ولكنّكما لم تُخبراني حتّى الآن عن أيّ قطعةٍ يتوجَّب عليّ خلعها في الحال لكي لا أُخالِف القوانين.. العليا أم السفلى"؟
هذه الحكاية التي لم يتوقَّف القبارصة يومًا عن سرد وقائعها من باب التندُّر والطرافة أمام بعضهم البعض، وكذلك أمام زوَّارهم الأجانب، وإنْ كان الزمان قد عفا عنها بعدما تحوَّلت معظم شواطىء الجزيرة منذ منتصف سبعينيّات القرن الماضي ولغاية يومنا الراهن إلى واجهةِ عرضٍ مألوفةٍ، وربّما شهيّةٍ، لثقافة الـ"Top Less" المشرَّعة أمام كافّة العيون والنوايا والظنون، ولكنّ أهميّة إعادة استحضارها في هذه الأيّام التي تكاد تجعل ارتداء الـ "بوركيني" في مواجهة الـ "بيكيني" أو ما دونِه أمَّ القضايا المصيريّة على الساحة الدوليّة، بما فيها الساحة اللبنانيّة، لا بدّ من تكتسب قيمةً إضافيّةً مطعَّمةً بالمزيد من عناصر التشويق، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ ما حدث مؤخَّرًا لإحدى السيّدات اللبنانيّات داخل منتجعٍ بحريٍّ يقع بالقرب من مدينة طرابلس في شمال لبنان، عندما تمّ منعها من السباحة بالـ "بوركيني" مع زوجها وطفلها الصغير، بحجَّةِ أنّ قوانين المنتجع تحظُر ذلك، لن يصبّ في المحصِّلة النهائيّة سوى في سياق عِبرةٍ جديدةٍ من فصول حكايةٍ متواصِلةٍ قد لا تقتصر معانيها هذه المرّة على مدلولات انتهاك حرّيّة النساء في مجال التعاطي مع تطلُّعات أجسادهنّ وفقًا لوجهة نظرهنّ الشخصيّة وحسب، وإنّما أيضًا على مفاعيل الانتهاكات المستمرَّة لحُرمة الشواطىء من قِبَل مستغلِّيها، باعتبارها مِلكًا خاصًّا لهم.
حدود الاستثمارات
ولكي تتّضح الصورة أكثر، فإنّ العِبرة هنا تتمثّل في أنّ أيّ منتجعٍ بحريٍّ في العالم لا يحقّ له الاستثمار في جيوب الزبائن إلّا داخل حدود المساحة الإسمنتيّة التي بناها صاحب المشروع لكي يحقِّق أرباحه المرجوَّة فيها، بمعنى أنّ من حقِّه أن يؤجِّرهم أو يبيعهم مسكَنًا، وأن يقدِّم لهم مأكَلًا ومشرَبًا ومسبَحًا ومرقَصًا، ولكنْ من دون أن يؤهِّله ذلك للتحكُّم في إدارة سلوكيّاتهم أو توجيهها خارج نطاق مساحة منشأته الاسمنتيّة، نظرًا لأنّ حدود حقِّه الاستثماريّ يُفترض أن تتوقَّف عند حدود حركة المدّ والجزْر التي يرسمها الموج عادةً على الشواطىء، ولا سيّما أنّ كافّة الأعراف والمواثيق الدوليّة متّفقةٌ على إدراج سواحل الدول في خانة الأملاك العامّة التي يحقّ لكلّ الناس من المواطنين والوافدين التوجُّه إليها من دون حسيبٍ أو رقيبٍ، وبالمجّان.
في هذا السياق، لا بدّ من الإشارة إلى أنّه في جزيرة قبرص مثلًا، وعلى رغم تخصيص مساحاتٍ شاسعةٍ من الشواطىء للسباحة تحت إشراف بلديّات المدن التي يقتصر دورها عادةً على توفير شروط السلامة والنظافة للروّاد، ومن دون أيّ مقابلٍ ماليٍّ على الإطلاق، فإنّ ذلك لا يُلغي بطبيعة الحال حقّ أيّ مواطن أو مقيمٍ أو زائرٍ في الدخولِ عبر البوّابة الرئيسيّة لأيّ فندقٍ مطلٍّ على البحر، والمرورِ في بهوه، وإلقاءِ التحيّة على موظّفيه، والخروجِ من بوّابته الخلفيّة صوب رمال الشاطىء، ومدِّ حصيرته هناك، وتمضيةِ ما يشاء من الوقت استحمامًا واستلقاءً واستجمامًا، والمغادرةِ أيضًا حينما يشاء على نفس الطريق التي كان قد دخل منها، من دون أن يكلَّفه الأمر سنتًا واحدًا، وذلك نظرًا لأنّ هذا الحقّ يُعتبر مقدَّسًا في مختلف المراجع القانونيّة الخاصّة باعتبار الشواطىء القبرصيّة أملاكًا عامّة بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى، والأهمّ هنا، طالما أنّ صاحب هذا الحقّ لا يخالف القوانين المرعيّة الإجراء في الدولة، وخصوصًا من جهة وجوب التزامه بالآداب العامّة في الأماكن العامّة التي يتواجد فيها.
حالات الانفصام
وإذا كان مصطلح الآداب العامّة يُعتبر مطّاطيًّا للغاية لدى إخضاعه لنمط ثقافات الشعوب المختلِفة وتقاليدها، ولدرجةٍ يمكن أن تصل أحيانًا إلى حدّ الانفصام الكامل، حسب ما جرى ذات مرّةٍ، على سبيل المثال وليس الحصر، عندما ألقت دوريّة من شرطة إمارة دبي القبض على سائحٍ وسائحةٍ من التابعيّة البريطانيّة أثناء شروعهما بإقامة علاقةٍ حميمةٍ في وضح النهار على شاطىء جمّيرا العموميّ، بينما غضّت النظر في الموازاة عن الاقتراب من مذيعٍ تلفزيونيٍّ عربيٍّ مشهورٍ أثناء قيامه بـ "التغندر" على الشاطىء نفسه، وفي وضح النهار أيضًا، مرتديًا ذلك الـ "سترينغ" الأحمر الرفيع الذي أجمع شهود العيان وقتذاك على أنّه كان مقزِّزًا.
وعلى رغم أنّ هذا التوصيف لا ينطوي بالضرورة على أيّ نيّةٍ في السعي إلى تجريد البشر، رجالًا ونساءً، من حقّهم الطبيعيّ في التعاطي بأريحيّةٍ تامّةٍ مع تطلُّعات أجسادهم وأجسادهنّ وفقًا لما هو منصوصٌ عليه في شرعة حقوق الإنسان الصادرة عن الأمم المتّحدة، إلّا أنّ الهدف من وراء سرد هذه الحكاية يتمثَّل في وجوب الإضاءة على أنّ الحالة المسجَّلة للسائح البريطانيّ مع صديقته على شاطىء جمّيرا العموميّ، وإنْ كانت لا تُعتبر جريمةً مخِلَّةً بالآداب في بلديهما، على أساس أنّها مجرَّد سلوكٍ اعتياديٍّ دارجٍ وتقليديٍّ هناك، ولكنّها لم تحُل في إمارة دبي دون اعتقالهما ومحاكمتهما وسجنهما وترحيلهما، خلافًا لما جرى في حالة المذيع التلفزيونيّ العربيّ المتغندِر بالـ "سترينغ" الأحمر الرفيع، الأمر الذي يعكِس بوضوحٍ مدى الانفصام الذي تعاني منه المجتمعاتُ المفتقِرةُ أصلًا لتشريعاتٍ واضحةٍ وصريحةٍ تحدِّد الخيط الفاصل بين الحلال والحرام، وبين الصواب والخطأ، وبين المألوف وغير المألوف، وبين الدارج وغير الدارج، وبين المقبول وغير المقبول، إلى ما هنالك من متناقضات.
العِبرة اللبنانيّة
على هذا الأساس، وبالعودة إلى انتشار ظاهرة ارتداء الـ "بوركيني" وردود الأفعال المتواصِلة عليها في هذه الأيّام، فإنّ خلاصة القول من كلّ ما تقدَّم ذكره أعلاه، تتمثّل في وجوب التأكيد أوّلًا وأخيرًا على صوابيّة المعادلة القائلة بأنّ أجساد الناس هي مِلكهم الشخصيّ، وبأنّ الشواطىء البحريّة هي مِلكٌ عامٌّ يحقّ لهم استعراض أجسادهم فيها حسب ما يشاؤون، حتّى ولو كانت القوانينُ المرعيّةُ الإجراء في الدولةِ المعنيّةِ مطّاطيّةً وخاضعةً لمزاجيّة الكرّ والفرّ.
وإذا كنتُ قد تعمَّدتُ الإشارة في هذه العجالة إلى كلٍّ من الحالتين القبرصيّة والإماراتيّة، عن سابقِ عزمٍ وتصميمٍ، فإنّ مردّ ذلك يعود إلى أنّ اللبنانيّين الذين لم يتوقّفوا يومًا عن التمنّي بأن تكون أقدارهم شبيهةً بالقدريْن القبرصيّ والإماراتيّ، من حيث ارتفاع معدَّل الرفاهيّة والسعادة والأمان والاستقرار، هُم بأمسّ الحاجة في الوقت الحاليّ لتعلُّم أصول التعامُل مع الظروف المطّاطيّة في الأماكن العامّة والخاصّة على حدٍّ سواء، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ هاتين الدولتيْن القُدوتيْن، نجحتا بامتيازٍ، ومن دون أيّ منَّةٍ من أحدٍ، في الارتقاء بشعوبهما إلى المستوى الذي يليق بإنجازاتهما على خارطة السياحة الدوليّة، خلافًا لما هو الحال عليه في أوساط الشعب اللبنانيّ المفتقِر لغاية يومنا الراهن إلى أبسط مقوِّمات الحياة الكريمة من كهرباءٍ لا تنقطع، وماءٍ لا ينضب، وبحرٍ غير ملوَّث، ورعايةٍ صحّيّةٍ واجتماعيّةٍ وتعليميّةٍ توفِّر له الحدّ الأدنى من شروط الاستمراريّة في تقدُّمه، مُبدعًا وخَلَّاقًا، إلى الأمام.. وحتّى ذلك الحين، وبغضّ النظر عمّا إذا كانت الطبقة السياسيّة الحاكِمة في البلد هي المسؤولة وحدها عن هذا الوضع اللبنانيّ المزري أم لا، تبقى العِبرة ما بين الـ "بيكيني" وما بين الـ "بوركيني" بالنيّات.. والخير دائمًا من وراء القصد!