على رغم تضارُب المعلومات حول عدد العيارات الناريّة التي أطلقها عناصر خفر السواحل اليونانيّون على إحدى بواخر النقل التركيّة أثناء مرورها نهار أمس الاثنين في المياه الدوليّة المحاذية لجزيرة رودوس في بحر إيجة، وبغضّ النظر عمّا إذا كانت الحادثة عرَضيّةً أم مقصودةً، فإنّ الثابت الوحيد هو أنّ ما جرى كان كافيًا لإثارة غضب تركيا من جارتها وحليفتها اللدودة في الأسرة الأطلسيّة بشكلٍ لم يسبق لارتفاع حدّته مثيلٌ منذ سنواتٍ طويلةٍ من الزمان، ولا سيّما أنّ قيادة المؤسّسة العسكريّة في أنقرة سرعان ما أقدَمت على إرسال ثلاثةِ زوارقَ حربيّةٍ من أسطولها البحريّ إلى المكان للاطّلاع على كافّة التفاصيل والملابسات، متحدِّيةً بذلك فحوى الرواية الرسميّة الواردة في البيان الذي أصدرته السلطات المختصّة في أثينا عن أنّ عمليّة إطلاق النار تمّت بسبب رفض القبطان التركيّ الامتثال لأوامر خفر السواحل اليونانيّين بالتوجُّه إلى ميناء رودوس من أجل تفتيش سفينته على خلفيّة الاشتباه في أنّه كان ينقل كميّة من المخدِّرات، أو مشكِّكةً في صدقيّة تلك الرواية، الأمر الذي كان من شأنه أن يؤدّي في نهاية المطاف، وبكلِّ سهولةٍ، إلى حدوث تصادمٍ مباشِرٍ مع البحريّة اليونانيّة، وبالتالي، إلى إضافة بؤرةِ توتُّرٍ جديدةٍ في هذا العالم الحافل بالنزاعات والصراعات.
لا شكّ في أنّ المتابعين عن كثبٍ لتاريخ العلاقات بين البلدين، ولكلّ ما تخلَّله هذا التاريخ من حروبٍ طاحنةٍ، ومواجهاتٍ داميةٍ، ومجازرَ وعمليّاتِ إبادةٍ وتنكيلٍ أُزهِقت في خضمّها أرواحٌ كثيرةٌ وسُفِكت على هوامشها دماءٌ أكثر، يُدركون كامل الإدراك أنّ أسهل الوسائل المتاحة في الوقت الراهن لإشعال حريقٍ تركيٍّ – يونانيٍّ تتمثّل في اختلاق حادثةٍ على شاكلة تلك التي سُجِّلت بالأمس، تمامًا مثلما يُدركون كامل الإدراك أيضًا أنّ الجانبين يُفترض أن يكونا بغنىً عن حصول أيّ مواجهةٍ جديدةٍ بينهما، اللهمّ إلّا إذا كان أحدهما يسعى إلى افتعالها مع الآخَر عن سابقِ عزمٍ وتصميمٍ، خدمةً لأجنداتٍ دوليّةٍ، وخصوصًا في هذه المرحلة العصيبة التي تشي كافّة تجلّيات دقائقها وثوانيها بأنّ ثمّة من يحاول خلالها العمل بجدّيّةٍ، منذ دخول الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في مطلع العام الحاليّ ولغاية اليوم، على تحريك الدبابير الهامدة في أوكار أزماتٍ عالميّةٍ قديمةٍ ومتجدِّدةٍ، بدءًا من شبه الجزيرة الكوريّة وما يُشاع عن حجم أخطارها النوويّة على الأمن والسِلم الدوليّيْن، مرورًا بإقليم كشمير المتنازَع عليه أبًا عن جدٍّ بين الهند وباكستان، ووصولًا إلى منطقة الشرق الأوسط حيث يَصُحّ القول إنّ الداخل إليها في غمرة تداعيات فورة "ربيع العرب" مفقودٌ، والخارج منها مولودٌ، الأمر الذي لا بدّ من أن ينطبق في السياق نفسه على الحالة التركيّة – اليونانيّة الراهنة بكلّ تأكيد.
ولعلّ ما يعزِّز هذا الاعتقاد هو أنّ حادثة الأمس في بحر إيجة، وإنْ كانت أضرارها في صفوف الأتراك قد اقتصرت على المادّيّات التي نجَمت عن إصابة هيكل سفينتهم المسمَّاة "آي إس تي" بعياراتِ خفر السواحل اليونانيّين الناريّةِ، ولكن وقوعها بعد مرور قرابة شهرين فقط على ما نجَم من أضرارٍ معنويّةٍ في صفوف أبناء الجاليّة القبرصيّة اليونانيّة لدى قيام قبطان السفينة التركيّة المسمّاة "برباروس خير الدين باشا" بتشغيل النشيد العسكريّ العثمانيّ على مكبِّر الصوت من هاتفه المحمول للردّ على إنذار سلطاتهم البحريّة بشأن عدم وجوب اقترابه أكثر من المياه الإقليميّة للجزيرة المتوسّطيّة المقسَّمة منذ عام 1974 بين القبارصة اليونانيّين والقبارصة الأتراك، حمل في طيّاته ما يكفي من الدلائل للتأكيد على وجود الأصابع الخفيّة الخارجيّة التي تسعى، بقدرةِ قادرٍ، إلى تحريك أوكار الدبابير المعشِّشة منذ أزمنة السلطنات والامبراطوريات الغابرة في الذاكرة الجمعيّة لشعوبٍ قُدِّر لها أن تتقاتل يومًا في الماضي بين بعضها البعض، ولا تزال تقف لغاية اليوم على أهبّة الاستعداد للتقاتل مجدَّدًا، ومهما كلَّف ذلك من أثمان.
وإذا كانت القيادة السياسيّة القبرصيّة ممثَّلةً بالرئيس نيكوس أناستاثياديس قد أثبتت براعتها في مجال احتواء تداعيات سماع النشيد العسكريّ العثمانيّ على مقربةٍ من مناطقها السياديّة، وخصوصًا بعدما تمكّنت من إقناع عددٍ من الناشطين القبارصة اليونانيّين بوجوب التراجع عن قرارهم الخاصّ بالردّ على التحدّي التركيّ عن طريق تنظيم حملةٍ تستهدف حثّ دول الاتّحاد الأوروبيّ على ممارسة الضغوط اللازمة لإجبار سلطات "جمهوريّة شمال قبرص التركيّة" على إزالة علَمها المحفور منذ عام 1983 على جبال الأصابع الخمسة (بيندي داكتيلوس) المطلّة على الشطر اليونانيّ – الأوروبيّ من العاصمة نيقوسيا، نظرًا لما قد يترتّب على تلك الحملة من عواقبَ مضرَّةٍ بأمن واستقرار الجزيرة بأكملها، فإنّ مردّ ذلك يعود إلى أنّ الرئيس أناستاثياديس نفسه هو أحد روّاد الدعوة إلى الانفتاح على تركيا منذ أيّام عمله بصفة مستشارٍ ومساعدٍ لسلفِه في الرئاسة ورفيقِه في زعامة حزب "التجمُّع الديمقراطيّ" الراحل غلافكوس كليريديس في تسعينيّات القرن الماضي، ولدرجةِ أنّ التاريخ سجَّل له أنّه كان أوّل مسؤولٍ حزبيٍّ قبرصيٍّ يونانيٍّ يزور أنقرة وقتذاك.
ولكنْ إلى أيّ مدى يا ترى يمكن أن يحافظ مثل هذا الرئيس على مهاراتِه المشهودِ لها تاريخيًّا في ضبط إيقاع العلاقات اليونانيّة – التركيّة بالشكل الذي من شأنه الحيلولة دون إعادة عقارب زمن تلك العلاقات إلى الوراء؟
سؤالٌ.. أغلب الظنّ أنّ الإجابة عنه تحتاج إلى طبخها على نارٍ هادئةٍ، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ الوجبات السريعة التي تفوح رائحتها في هذه الأيّام من مطبخ البيت الأبيض، تكاد تصبح محروقةً ومحرِقةً وذاتِ مذاقٍ مرٍّ، ليس بالضرورة فوق الموائد التركيّة واليونانيّة وحسب، وإنّما في العالم بأسره من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، بما في ذلك العالم العربيّ من محيطه إلى خليجه، حيث ما أحوجنا إلى تعميم نموذج نيكوس أناستاثياديس القبرصيّ الناجح جدًّا في مجال احتواء تداعيات الأزمات وإخماد نيرانها من أجل المحافظة على المصلحة العامّة للناس.. وأغلب الظنّ أيضًا أنّ البيت في القصيد يكمُن هنا.. وخير الكلام عن الأضرار المعنويّة التي تلحق بالناس في غمرة استمرار تداعيات الأزمة الخليجيّة الراهنة ما قلّ ودلّ!