منسوب التوتر الحكومي على خط النازحين الذي شهدته جلسة مجلس الوزراء مرشحٌ لمزيد من الإرتفاع في درجاته على مقياس متطلبات الحملات الإنتخابية، فالبروفا التي شهدتها الجلسة لا تبشّر باتفاق يقي البلد شرّ الإنقسامات، لا بلّ إن مشهدية الجلسة وما سبقها من مواقف أعادتنا إلى زمن الآذاريَين واصطفافاتهما المدمرة للبلاد والعباد.
في الجلسة وعلى رغم الاتجاه لوضع الملفات الخلافية جانباً، حصل سجال حادّ بين الوزيرين ميشال فرعون وعلي قانصوعلى خلفية موقف كلّ منهما المتناقض حيال التواصل مع الحكومة السورية لترتيب عودة النازحين إلى المناطق الآمنة، استدعى تدخل الرئيس ميشال عون لإعادة الهدوء الآني إلى الجلسة، أمّا ملف النزوح المليوني بتشعباته ومحاذيره الأمنية وتبعاته الإقتصادية فبقي مشتعلاً على لهيب حمم براكينه. وإذ كان من الطبيعي أن تختلف الرؤى بين المكونات الحكومية حيال قضية ما، فمن غير الطبيعي أن يتوقف طموح الحكومة وهدفها عند نزع فتيل الخلاف، عبر تأجيل البحث بالملف، فيما يبقى الملف قنبلة موقوتة قد تنفجر في أيّ لحظة، بغياب المقاربة الحكومية الشاملة لكيفية التعاطي مع الملف .
الوزير جان أوغاسبيان وعبر "
لبنان 24" لفت إلى أنّ الموضوع السوري برمّته هو محل خلاف كبير "ومن المواضيع التي عندما تألفت الحكومة ارتأينا أن تبقى بمثابة ربط نزاع لحين إنجاز التسويات الكبرى بالمنطقة. في هذا الملف لن يكون بمقدورنا الإتفاق على رؤية موحدة ومقاربة مشتركة للموضوع السوري، في الوقت نفسه لا يمكن أن نأخذ البلد إلى انقسامات، في هذه الظروف التي يمر بها لبنان والمحيط الإقليمي، نرى أنّه من الأفضل أن نضع الخلاف جانباً، وننصرف إلى الإهتمام بشؤون وشجون الناس وبالوضعين الإقتصادي والمالي وبالإستقرار السياسي والأمني، فالمرحلة لا تحتمل انقسامات وتشنجات، في وقت أنّ أحداً لن يغير موقفه إلى حين جلاء صورة الوضع بالمنطقة".
أمّا عن تأثير هذا الخلاف بالرؤى سلباً على عودة محتملة لنازحين سوريين قال أوغاسبيان: "من يريد العودة لن يمنعه أحد، ومن يرى أنّ المنطقة التي سيعود إليها آمنة عليه أن يعود إلى أرضه، ولا حاجة إلى تنسيق في هذا الإطار، تماماً كما حصل مع بعض النازحين الذين عادوا إلى ديارهم في الأسابيع الأخيرة ".
أمّا عن تسوية أوضاع مطلوبين متخوفين من العودة بما يشجعهم على العودة فيلفت أوغاسبيان أنّ لبنان لن يكون بمقدوره إحداث ايّ تغيير في المعادلة السورية في هذا الشأن" هذه المسألة أممية، تبحثها دول القرار في أستانة وسط حديث عن مناطق آمنة برعاية روسية تركية أو روسية إيرانية، أمّا لبنان فلا دور له في هذا السياق" .
وعن المطالبة بالدخول في تفاوض مباشر مع النظام لحل معظلة النزوح قال أوغاسبيان: "هذا الأمر لن يوصل إلى نتيجة فالخلاف كبير. أمّا الخيار الثاني عبر طلب وساطة الأمم المتحدة فهو يأتي في سياق اتفاق دولي بوجود قوات أممية لتقوم بهذا العمل ترجمة لإتفاق سياسي دولي إقليمي، حتّى أنّ النظام السوري لا يمكن له أن يقدّم الكثير، فلا يمكن له مثلاً أنّ يقدّم ضمانات للذين نزوحوا من مناطق نفوذه ولا يمكن لهؤلاء ان يثقوا بهذه الضمانات ،وبالتالي لا يمكن للبنان أن يأخذ على عاتقه هذا الأمر، فهناك نازحون لديهم مشكلة مع النظام وآخرون مع المعارضة وبالتالي هذه العودة الشاملة تكون من ضمن تسوية أممية كبيرة ".
وأضاف أوغاسبيان: "أعتقد ألّا فائدة من هذا النقاش كما لا فائدة من وضع خلافاتنا عل طاولة مجلس الوزراء، والأجدى أن نلتفت إلى الشأن الحياتي، في وقت تتفاقم فيه الخلافات من حولنا في عالمنا العربي، والوضع الإقتصادي بغاية الخطورة ليس في لبنان فحسب بل في المنطقة ككل".
بالمحصلة بقي معلقاً أمر التفاوض مع حكومة دمشق حيال مواطنيها، وسيبقى لبنان يدفع غالياً ثمن ارتدادات النزوح المليوني من أمنه واقتصاده وسط تمسك الأمم المتحدة بالعودة الطوعية، عل رغم أنّ لبنان غير موقع على الإتفاقية التي وضعتها هذه الهيئة الدولية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين .