لم يخفف استئناف مؤتمر أستانة جولاته التفاوضية من حدة المعارك الميدانية الدائرة في أرجاء سوريا، صحيح بأن الاجتماع المذكور والمخصص للمجموعات المسلحة ليس سوى عتبة تمهيدية لمؤتمر جنيف، ورغم ذلك تتغلب الشكوك الكثيرة في امكانية التقدم بحلول تؤمن وقف العمليات الحربية أو تخفيض التصعيد وإعلان اجزاء واسعة من سوريا كمناطق آمنة.
على هذا الصعيد، تبدو الآمال معلقة على "أستانة" بإمكانية تحقيق خرق بخصوص تخفيف حدة المعارك، جراء القناعة الثابتة عن قرب "إطاحة" حكم داعش في محافظة الرقة وإنهيار مجموعاتها في انحاء متفرقة، وهي قد مهدت لذلك بإنسحابها من محافظة حلب وتموضعها في تدمر كما في محافظة دير الزور والتي تعتبر اﻻن بمثابة معاقل أخيرة محكومة بالسقوط حتما.
يعيد سقوط داعش وإنهيارها رسم خارطة جديدة للصراع السوري، فتركيا تندفع صوب مدينة عفرين في ريف ادلب للسيطرة عليها نهائيا، وعفرين لها رمزيتها كونها المدينة السورية اﻻولى التي خرجت من سيطرة النظام السوري، وهي تعتبر معقل العقيد المنشق رياض اﻻسعد قائد "الجيش السوري الحر" وقبله الملازم حسين هرموش.
وجدت تركيا الفرصة سانحة بعد جملة تطورات على اﻻرض، أبرزها ما جرى في درعا والقنيطرة منذ فترة، والتي أدت بإسرائيل الى اﻻستنفار الكامل والتحذير من أن الجنوب السوري يعد مجالا امنيا لها، ولن تسمح للقتال الدائر بإنتاج ثغرات قد يتسلل اليها حزب الله، هذا اﻻمر اتى بمثابة هدية من السماء ﻻردوغان، حيث ركزت الصحافة التركية على المطالبة باقرار مجالات حيوية لقوات تركيا في الشمال السوري على غرار ما يجري في الجنوب مع إسرائيل .
المحاولة التركية إصطدمت بقوطبة سعودية فورية، فالمملكة تعد لتصفية دور قطر في ارجاء العالم العربي وتجد بالتحرك التركي المستجد ما يثير الريبة خصوصا مع اندفاعة اردوغان وإقحام بلاده بالخلاف مع قطر، وهذا ما تجده دوائر الحكم في الرياض أمرا خطيرا يستدعي لجمه.
ووفق قراءة أولية، يحاول اردوغان استغلال الظروف الميدانية لفرض سيطرة قواته المباشرة على مناطق في الشمال السوري، وﻻ تخفي الحكومة التركية بأنها ستعمد لوقف تمدد اﻻكراد عبر قوات سوريا الديمقراطية المدعومة أميركيا .
بالمقابل، لن يكون التوغل التركي سهلا خصوصا في ظل حدة الصراعات الحاصلة بين قطر والسعودية، فالسعودية تعول على دور مفترض للقبائل العربية يؤمن لها عمقا استراتيجيا في سوريا ويحد من النفوذ التركي والدور القطري المتلطي باردوغان، خصوصا ان الدوحة لم تعلن حتى الساحة انساحبها الرسمي من الميدان السوري، بل تنتظر الظرف الملائم ﻻستعادة قدرها ومقارعة السيطرة السعودية الكاملة .