لسبب مجهول، تحشر الأمور دائماً في لبنان بين حدّي الشفرة أو السكين، لا مكان ثالثاً لما يسمى مقاربات موضوعية، علمية، متجردة وقائمة على المصلحة الوطنية المشتركة.
واحدٌ من الملفات العديدة التي لا تفتأ السلطة تصعدُ نزولاً في وحولها، ملف النزوح والنازحين السوريين؛ إرباك وضياع وتشتت على مستوى مؤسسات الدولة، والحجة حاضرة في كل حين "حرصاً على الاستقرار واستمرار التسوية السياسية"، فالبلد أصلاً بلد التسويات التي تصبح بديلاً عن الدستور والمؤسسات.
لا يكفي النازحين لعنة التهجير عن الوطن والأهل والملك، ومأساة الهيام في أرضٍ ضاقت عليهم بما رحبت، ولا ذلّ الحاجة والعوز، وصعوبة تأمين احتياجات العيش والمرض، ولهيب النيران التي تلاحقهم حتى في أشباه الخيم، حتى يأتي من يريد جعل مآسيهم "كميناً" لتفجير الأوضاع في لبنان، ونقطة خلافية جديدة تضاف إلى سجل التباينات التي يعيشها البلد.
حتى المخاوف الأمنية من تحول المخيمات، أو بعضها بؤراً أمنية، من قال إنها ليست هواجس لدى الغالبية العظمى من قاطني هذه المخيمات الذين يحسبون الساعات والدقائق للعودة إلى دياهم التي ما تركوها إلا غصباً وهرباً من الظلم والإجرام؟ وبهذا المعنى إن مسألة حماية لبنان من الانزلاق إلى هاوية الارهاب الذي يضرب المنطقة كلها مسألة بنبغي أن تكون مشتركة ومحل اتفاق لا مثار قسمة واتهام وتشكيك.
في الأساس، لا يستقيم جعل النازح السوري متواطئاً لجعل لبنان وطناً بديلاً، ولا يستقيم الضغط عليه لدفعه للعودة مرغماً للانخراط في جيش النظام الذي ظلمه وأذلّه وتفنن في قتله، أو ضمن المليشيات الداعمة له وإعادة رميهم في أتون الحرب، وقبل كل ذلك وبعده لا يمكن ولا يجوز السماح لأي سوري أو غيره بانتهاك سيادة واستقرار وأمن لبنان تحت أي حجة أو عذر أو سبب، وما بين هذا وذاك تبدو الحاجة أكثر من ملحة لمقاربة أكثر جدية وحيادية لهذا الملف، تنتشله من بازار المزايدات وتوازن بين الاعتبارات الإنسانية والحقوقية وبين الضرورات والضوابط الأمنية.
الماكينة التي انطلقت قبل فترة للدفع باتجاه التفاوض بين الحكومتين اللبنانية والسورية لعودة النازحين، غاب عنها أو غيّبت لغايات في نفسها، أن الأوضاع الميدانية في الداخل لم تتغير بشكل كبير يَشي بتبدل الظروف التي ألجأت هؤلاء إلى النزوح، وبالتالي إن إعادتهم تعني رميهم في مجهول – معلوم تحت أيدي النظام. إن مسألة العودة، أيُّ عودة لنازحي الحروب في أيّ بقعة من العالم، إنما تتم برعاية أممية ويتولى الإشراف عليها موفد دولي، لأنها ليست مجرد انتقال حسّي للبشر من مكان لآخر، بل يلزمها ترتيبات سياسية وضمانات أمنية وقانونية واجتماعية وإنسانية أخرى يعرفها أهل الاخصاص، وبهذا المعنى يصبح التفاوض المشار إليه تفصيلاً صغيراً في سياق أكبر وأكثر تكلفة وتعقيداً.
التفاوض بين الحكومتين اللبنانية والسورية لعودة النازحين، غاب عنها أو غيّبت لغايات في نفسها، أن الأوضاع الميدانية في الداخل لم تتغير بشكل كبير يَشي بتبدل الظروف التي ألجأت هؤلاء إلى النزوح، وبالتالي إن إعادتهم تعني رميهم في مجهول – معلوم تحت أيدي النظام. إن مسألة العودة، أيُّ عودة لنازحي الحروب في أيّ بقعة من العالم، إنما تتم برعاية أممية ويتولى الإشراف عليها موفد دولي، لأنها ليست مجرد انتقال حسّي للبشر من مكان لآخر، بل يلزمها ترتيبات سياسية وضمانات أمنية وقانونية واجتماعية وإنسانية أخرى يعرفها أهل الاخصاص، وبهذا المعنى يصبح التفاوض المشار إليه تفصيلاً صغيراً في سياق أكبر وأكثر تكلفة وتعقيداً.
إن لبنان الذي لم يقرّ بداية سياسة وطنية موحدة تجاه النزوح، باستثناء الموقف الرؤيوي الحكيم المعبر عنه بـ "النأي بالنفس"، لا يمكنه اليوم اللجوء إلى الشعبوية والارتجال في لملمة ملف يحتاج خيارات استراتيجية تقوم على: حماية مصالح لبنان العليا وأمنه واستقراره وسيادته من جهة، لكنها تراعي حقوق الانسان وموجبات الالتزام بمعاهدات حماية النازحين واللاجئين، ومقتضيات الجوار والتاريخ والحاضر والمستقبل المشترك مع السوريين كشعب شقيق لا يمكن لأي عاقل افتراض أن مآسيه ستستمر إلى أبد الآبدين. هناك غدٌ، وهو بلا شك، غدٌ أفضل لكل صاحب حق، ضد كل ظالم ومستبد.