ربّما كان أجمل ما فعله رئيس الجامعة الأميركيّة في موسكو إدوارد لوزانسكي في إطار مبادرات حسن النوايا التي تستهدف العمل على توفير الأجواء اللازمة للدفع بالعلاقات بين الولايات المتّحدة وروسيا قُدمًا إلى الأمام، أملًا في إيصالها إلى المستوى المناسِب لتمكين الدولتين من تسوية نزاعاتهما بالتراضي، وبما يضمن المحافظة على ما تبقّى من مقوِّمات الأمن والسلم الدوليّيْن في هذا العالم الغارق حتّى الأذنيْن في الصراعات والحروب، كان قد تجلّى نهار الاثنين الفائت لدى رفع الستار عن نُصُبٍ تذكاريٍّ يجسِّد المصافحة التاريخيّة التي تمّت في العاصمة الآيسلنديّة ريكيافيك يوميْ الحادي عشر والثاني عشر من شهر تشرين الأوّل عام 1986 بين الرئيسين السوفييتيّ ميخائيل غورباتشوف والأميركيّ رونالد ريغان، والتي وضعت حدًّا للحرب الباردة بين الجبّاريْن، ولا سيّما أنّ مجرَّد إقامة الحفل المخصَّص للنُصُب التذكاريّ المذكور في وسط العاصمة الروسيّة قبل أربعة أيّامٍ فقط من حلول موعد اللقاء الأوّل الذي تمّ أوّل من أمس الجمعة في مدينة هامبورغ الألمانيّة بين الرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب، لم يكن أكثر أو أقلّ من محاولةٍ صادقةٍ استهدفت التعبير عن الأمل في إمكانيّة انتقال عَبَق الأجواء الإيجابيّة لتلك المصافحة التاريخيّة الشهيرة إلى أروقة قمّة "مجموعة العشرين"، الأمر الذي سرعان ما تحقَّق لاحقًا بالفعل، وخصوصًا إذا وضعنا في الحسبان أنّ الملامح الأوّليّة للنتائج التي أسفر عنها لقاء بوتين – ترامب على هامش هذه القمّة لغاية الآن، تبدو وكأنّها تحمل في طيّاتها المزيد من بشائر الخير.
وإذا كان اثنان من المراقبين لا يمكن أن يختلفا في الوقت الراهن على البديهيّة القائلة بأنّ اتّفاق وقف إطلاق النار الذي يُفترض أن يدخل حيِّز التنفيذ ظهر اليوم الأحد في أجزاءَ مختلفةٍ من سوريا، بما فيها درعا والقنيطرة والسويداء، هو بمثابة ثمرةٍ شهيّةٍ لم يكن من المقدَّر قطفها بسهولةٍ لولا المناخات الإيجابيّة التي خيَّمت على أجواء لقاء الرئيسين بوتين وترامب في هامبورغ، فإنّ هذه البديهيّة لا بدّ من أن تشي بالتالي بأنّ موسم الحصاد على الساحة السوريّة سيكون وفيرًا، اعتبارًا من الآن وحتّى إشعارٍ آخَر، ولا سيّما بعدما أصبح في حكم المؤكَّد، وبحسب ما أجمعت عليه غالبيّة الصحف الأميركيّة خلال اليومين الماضيين، أنّ الولايات المتّحدة اضطرّت إلى التنازل لروسيا عن العديد من الامتيازات المتعلِّقة بسُبُل ضبط إيقاع الملفّ السوريّ، وذلك على خلفيّة إدراكها، ولو متأخِّرًا، لحجم قدرات "الشريك الروسيّ" في مجال التحكُّم، ببراعةٍ، بإيقاع هذا الملفّ.
من هنا، وعلاوةً على أنّ كافّة المؤشِّرات باتت تدلّ، يومًا بعد يومٍ، على اقتراب موعد اندحار مقاتلي تنظيم "داعش" في كلٍّ من العراق وسوريا، وفقًا لما تؤكِّده وقائع المعارك الميدانيّة الدائرة على جبهات القتال هناك، يُصبح في الإمكان البناء على الموقف الذي عبَّر عنه مؤخَّرًا وزير الخارجيّة الأميركيّ ريكس تيلرسون عندما قال إنّ الاتّفاق مع موسكو هو مؤشِّرٌ أوّليٌّ على قدرة الولايات المتّحدة وروسيا في مجال العمل معًا في سوريا، تمامًا مثلما يُصبح في الإمكان أيضًا إدراج إشارة الوزير نفسه إلى أنّ بلاده لم تقرِّر بعد كيفيّة رحيل الرئيس السوريّ بشّار الأسد في خانة التنازلات الأميركيّة الآنفة الذكر لروسيا.
على هذا الأساس، فإنّ الأنظار ستتركَّز اعتبارًا من ظهر هذا اليوم على رصد حيثيّات اتّفاق وقف إطلاق النار في مناطق خفض التصعيد على الساحة السوريّة لقياس معدَّل إمكانيّة صموده أوّلًا، وبالتالي، لمعرفة مدى جدّيّة الروس والأميركيّين في التكيُّف مع الأجواء الإيجابيّة التي خلّفها وراءه لقاء الرئيسين بوتين وترامب الأخير في هامبورغ، ومن ثمّ في الاستفادة منها، علمًا أنّ تفاهم الجانبين على الشأن السوريّ لن يكون كافيًا وحده بالطبع للتأكيد على اعتزامهما الدخول في شهرِ عسلٍ جديدٍ ومديدٍ إذا لم يترافق ذلك مع تفاهماتٍ أخرى وأهمّ حول العديد من القضايا الشائكة بينهما، وعلى رأسها المسألة الأوكرانيّة وموضوع تمدُّد حلف شماليّ الأطلسيّ صوب الشرق، وهي القضايا التي لا بدّ من أن تبقى بمثابةِ قنابلَ موقوتةٍ تهدِّد الأمن والاستقرار الدوليّيْن في حال تعذُّر نزع صواعقها.
وفي هذا السياق، لا بدّ من التذكير بأنّ لقاء القمّة الأوّل الذي تمّ في قصر الكرملين يوم الرابع من شهر حزيران عام 2000 بين الرئيس بوتين ونظيره الأميركيّ (وقتذاك) بيل كلينتون، وإنْ كان قد أسفر عن تشكيل فريق عملٍ مشترَكٍ بين بلديهما من أجل متابعة ورصد ظاهرتيْ الإرهاب وتجارة المخدّرات في أفغانستان، ولكنّه لم يحُل دون استمرار تفاقم خلافاتهما حول العديد من القضايا التي كانت وما زالت حاضرةً بفاعليّةٍ في الأجندتين الروسيّة والأميركيّة لغاية يومنا الراهن، بدءًا من مشروع إقامة الدرع الصاروخيّ الأميركيّ في بولندا ومحطّة الرادار التابعة له في تشيكيا، مرورًا بموضوع تمدُّد الأطلسيّين شرقًا، ووصولًا إلى المحاولات المتكرِّرة لاستهداف الأمن القوميّ الروسيّ، تمامًا مثلما لم يحُل أيضًا دون قيام الولايات المتّحدة من جانبٍ واحدٍ بتجاوز نطاق صلاحيّات فريق العمل المشترَك المذكور، وذلك عندما قرَّرت، بعد مرور خمسةَ عشرَ شهرًا فقط على تشكيله، التفرُّد باتّخاذ قرار غزو أفغانستان في إطار حربها على الإرهاب هناك عام 2001.
وإذا كان تاريخ العلاقات الروسيّة – الأميركيّة قد بقي حافلًا على مرِّ السنوات الطويلة الماضيّة بالكثير من مزاجيّة المدّ والجزر والكرّ والفرّ، فإنّ قيام رئيس الجامعة الأميركيّة في موسكو باستحضار إحدى أنصع صفحات ذلك التاريخ بعدما قرَّر إقامة حفل إزاحة الستار عن نُصُب غورباتشوف – ريغان التذكاريّ قبل أربعةِ أيّامٍ من موعد لقاء بوتين – ترامب الأخير، لا بدّ من أن يندرج في سياق مبادرات حسن النوايا التي لطالما اشتهر الروس بالإقدام عليها، حتّى في عزِّ أوقات الشِدّة.. وعسى أن تنجح المبادرة هذه المرّة في تحقيق الغايات المرجوَّة منها، وخصوصًا في مجال تذكير السياسيّين بأنّ الحروب تبدأ عادةً في عقولهم وتنتهي عادةً في عقولهم، وبأنّ الهامش الضيّق بين الشرّ والخير يكمُن في عقولهم أيضًا في شتّى الظروف والأحوال.. والخير دائمًا من وراء القصد!