لم يكن ينقُص بعض المؤسّسات الإعلاميّة العربيّة سوى استخدام مصطلح "سقوط الموصل" لدى الإشارة إلى اكتمال عمليّة تحرير هذه المدينة العراقيّة العريقة من عناصر تنظيم "داعش" لكي تَسقُط بدورها في فخّ تهمة عدم الموضوعيّة المطبوعة على جبينها منذ سنواتٍ طويلةٍ من الزمان، ولا سيّما بعدما أصبح في حكم المؤكَّد أنّ عمليّة الترويج لهذا المصطلح لم تكن مجرَّدَ "شطحةِ قلمٍ" يمكن إدراجها في سياق الأخطاء العفويّة الدارِجة في هذه الأيّام وحسب، بل كانت مقصودةً عن سابقِ عزمٍ وتصميمٍ أيضًا، الأمر الذي يتجلّى بوضوحٍ إذا ما أضفنا على ذلك "السقوط" عناوينَ عريضةً لا تزال قيد التداول الإعلاميّ لغاية هذه اللحظة، مثل الجيش العراقيّ يرفع عَلَم النصر فوق "أنقاض" الموصل، أو "اغتصاب" ممتلكات الناس في المدينة، وهي العناوين التي تشي بأنّها تندرج في سياق سياساتٍ تحريريّةٍ أقلّ ما يمكن أن يُقال عنها في الوقت الحاليّ هو أنّها مشبوهةٌ وملتبِسَةٌ من الألِف إلى الياء.
لا شكّ في أنّ اثنين من العاقلين في أوساط آباء مهنة الصحافة وأبنائها، على حدٍّ سواء، لا يمكن أن يختلفا حول منطق التاريخ الذي ظلّ يعلِّمهم، جيلًا بعد جيلٍ، أنّه حينما يُقال في الأدبيّات العسكريّة عن أيّ مساحةٍ جغرافيّةٍ في العالم إنّها "سقطت"، فإنّ مصطلح "السقوط" هنا لا بدّ من أن يوحي تلقائيًّا بأنّ المساحة المقصودة تعرَّضت للغزو من قِبَل دولةٍ أجنبيّةٍ، سواءٌ عن طريق اجتياحٍ عابرٍ أم من خلال احتلالٍ دائمٍ، الأمر الذي يعني في المحصّلة النهائيّة أنّ إضفاء سِمَة "السقوط"، عوضًا عن سِمَة "التحرير"، على الإنجاز العسكريّ الهائل الذي حقّقته القوّات العراقيّة مؤخَّرًا ضدّ "داعش" في الموصل، لا ينِمّ سوى عن رغبةٍ مشبوهةٍ وملتبِسَةٍ عند البعض للحرتقة على مفاعيل هذا الإنجاز الذي تكلَّل بالنصر بشكلٍ رسميٍّ اعتبارًا من يوم العاشر من شهر تمّوز الحاليّ.
على هذا الأساس، يصبح في الإمكان القول، وبكلّ أمانةٍ، إنّ الوقوع في فخّ استخدام مصطلحات سقوط الموصل، أو رفع العلم العراقيّ على أنقاضها، أو اغتصاب ممتلكات الآخَرين فيها، إلى ما هنالك من توصيفات، لا يعدو عن كونه مجرَّدَ "غلطةِ شاطرٍ" استهدفت على ما يبدو ذرَّ الرمادِ في العيون، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ تسمية الأشياء بأسمائها الصحيحة لا بدّ من أن تستوجب التأكيد على أنّ ما حدث في الموصل هو أنّ العراق "استعاد السيطرة" على مساحةٍ جغرافيّةٍ يُفترض أن تكون خاضعةً، بحسب المنطق والقانون، لمناطقه السياديّة، بمعنى أنّه لم يقُم بغزوها أو احتلالها لكي يُقال إنّها "سقطت"، علاوةً على أنّ قيام قوّاته برفع العلم الوطنيّ فوق "أنقاضها" لا يمكن أن يُعتبَر تهمةً نظرًا لأنّ المعارك الطاحنة لا تدور عادةً ببنادق الصيد أو بخراطيم المياه، ناهيك عن أنّ تلك الأنقاض، وبحسب ما يعرفه القاصي والداني، كانت قد تراكمت على مرّ السنوات الأربع الماضية التي عاث التنظيم الإرهابيّ خلالها فسادًا وإجرامًا وترويعًا في أوساط الناس، بما في ذلك "اغتصاب" ممتلكاتهم وأعراضهم ومقدَّساتهم وأماكن عبادتهم، بغضّ النظر عن الطوائف والمذاهب التي ينتمون إليها.
وإذا كان بعض الإعلام العربيّ لا يزال غافلًا عن إدراك هذه الحقيقة الواضحة والجليّة مثل الشمس في وضح النهار، فإنّ ذلك لا بدّ من أن يحمل في طيّاته ما يكفي من المؤشِّرات للدلالة على أنّ أسوأ "الدواعش" ليسوا وحدهم بالضرورة مَن يَقتِلون ويَسْبون ويُفخِّخون ويُفجِّرون ويَفجِرون وحسب، وإنّما أولئك الذين لا يزالون يبرِّرون القتل والسَبْي والتفخيخ والتفجير والفجور، ويوفِّرون لمرتكبي هذه الجرائم بيئاتهم الحاضنة، سواءٌ عن سابقِ عزمٍ وتصميمٍ أحيانًا، أم عن جهلٍ وعدمِ درايةٍ وقُصْرِ نظرٍ في معظم الأحيان.
من هنا، ينبغي التأكيد على وجوب قيام هذا "البعض" من الإعلام العربيّ بتحمُّل مسؤوليّاته الأخلاقيّة في مجال عدم تشويه الحقائق أو تلفيقها عن طريق اللعب على حبال المصطلحات، اللهمّ إلّا إذا أصبحت رسالة التسويق للإرهاب في أجنداته تُضاهي في أهمّيِّتها رسالته المهنيّة الأصليّة.. فعندئذٍ، لن نستغرِب إذا ما أتحفَنا إعلاميّو هذا الزمان الرديء بعنوانٍ مفاده أنّ جرود عرسال "سقطت" في أيدي الجيش اللبنانيّ، عوضًا عن القول إنّ الجيش اللبنانيّ "حرَّر" هذه الجرود من سطوة الإرهابيّين، تمامًا مثلما يحدُث للتوّ في حالة مدينة الموصل العراقيّة التي "حُرِّرَت" ولم "تَسقُط"، والتي بات في حكم المؤكَّد أنّ "الساقط" الوحيد فيها هو الإرهاب.. والخير دائمًا من وراء القصد!