لا يختلف إثنان على أن التعيينات في إدارات الدولة هي تعيينات سياسية بإمتياز، أو بتعبير آخر "حشو" هذه الإدارات بالمحاسيب والازلام، وهم في غالب الاحيان لا يتمتعّون بالكفاءات المطلوبة، ولو كانوا كذلك لما كانوا التجأوا إلى هذا الزعيم وذاك السياسي، فيكون ولاؤهم لهم وليس لدولتهم. وهكذا يغيب أو يُغيّب المفهوم الحقيقي للمواطنة. وهكذا يعمّ الفساد ويستشري، بإعتبار أن من يسمح لنفسه بأن يرتشي ويمرّر ما لا يُمرّر يعتقد أنه فوق القانون الموضوع ليطبّق على غيره من الموظفين غير المدعومين وغير المحسوبين على أحد. أما هم فلديهم من الحصانة ما يسمح لهم بالإطاحة بكل القوانين، ويتصرّفون على أساس أن ما يقومون به هو الصحّ وما يقوم به غيرهم هو الشواذ بعينه.
بهذه الروحية يتصرّف هؤلاء المحاسيب. وهكذا تُضرب هيبة الدولة التي لم يبقَ منها، من بين الأساسيات الأخرى، سوى آلية لتعيينات، وهي في الأساس صيغة ملطّفة للمحاصصة السياسية، ولكنها تبقى أفضل من العدم، أقلّه في الشكل، وحفاظًا على ماء وجه مجلس الخدمة المدنية، الذي كان الرئيس فؤاد شهاب وراء فكرة تأسيسه، للحؤول دون تدخّل السياسيين في إدارات الدولة، وهو الذي كان يؤمن بأن السياسة لا تدخل إلى أي مكان إلاّ وتعيث فيه فسادًا. ولذلك كان يمنع جميع موظفي القصر الجمهوري في حينه، وكان الرئيس الياس سركيس مديرً عامًا فيه، من تلبية أي دعوة لعشاء أو غداء أو أي مناسبة عامة، وذلك للحؤول دون إختلاط الموظفين مع أهل السياسة ولمنع "مونة" البعض على بعض الموظفين، حياءً الذي يشبه إلى حدّ كبير الغصب، إن لم نقل "التبرطل"، وهو تعبير موروث من ثقافة غريبة عن ثقافة "النظافة".
فإذا طارت هذه الآلية، وهي الحدّ الادنى من فصل التدخلات السياسية في عملية التعيينات، ولو ظاهريًا أو شكلًا، يكون أهل السياسة قد تخّلوا عن ورقة التين، التي لا تزال تستر عري هذه الدولة، وقرروا السير بمحاصصة مكشوفة ومفضوحة لا مكان فيها للكفاءات والمهارة والحرفية، فتتحّول إدارات الدولة إلى ما يشبه المزرعة، فيسود منطق "مشّيلي حتى مشّيلك"، وتغيب المحاسبة ويسقط شعار "الرجل المناسب في المكان المناسب"، ولا يعود لقانون "من أين لك هذا" يعني شيئًا، وهو في الأساس قانون وضع لكي لا يُطبّق، وهو إذا طبّق فلا يُطبّق إلاّ على الموظف المقطوع من شجرة.
فبناء الدولة أو إعادة بنائها لا يكون بضرب مجلس الخدمة المدنية المفروض أن يكون بعيدًا عن الشبهات ومحصّنًا إلى درجة رفضه أي تدّخل سياسي في عمله، من أي جهة أتى، وبالتالي وتزامنًا، يصبح تفعيل أجهزة الرقابة الأساس المتين لوضع الدولة على سكّة الإصلاح الحقيقي، مع ما يفرضه ذلك من "قدسية" وتجردّ وحيادية، وهي تعابير لم تعد تعني الشيء الكثير في القاموس السياسي.
وإلى حين البتّ بهذه القضية، سلبًا أم إيجابًا، في الجلسة المقبلة لمجلس الوزراء، يبقى الأساس هو الأساس، أي إبعاد السياسة عن الإدارة، كما عن القضاء، وذلك لإبقاء بعض من أمل في إصلاح منشود.