إن صحّ أن من يقف وراء الصفحة الالكترونية التي كادت توقع بين اللبنانيين والسوريين، وبين اللبنانيين أنفسهم، وتنزلق بهم نحو "بوسطة" جديدة من العبثية المتفلتة؛ "قرصان" عاطل عن العمل، يهوى الفتنة والابتزاز، وأن ما قام به إنما كان مدفوعاً بغَرَضية سخيفة لا دخل للمطالب أو الحقوق بها؛ إن صحّ كل ذلك، فإن في ردود الفعل التي سادت خلال الاسبوع الأخير من الدلالات ما يستحق التوقف عنده.
أيامٌ من الشحن والشحن المضاد؛ خطاب موتور وعنصري، نسي اللبنانيون بلاويهم ومصائبهم الممتدة من الموازنة والسلسلة إلى النفايات وزحمة السير، وما بينها من فساد وسرقات وانتهاك لأدنى حقوق المواطنة.. ودبت فيهم الحمية دفاعاً عن الجيش الذي لا يحتاج وصياً ينطق باسمه، أو يدافع عنه، وهو قادر على الدفاع عن الجميع. ونسي السوريون مآسيهم ومظالمهم ومن تسبب بها من نظام ومليشيات وعصابات وأمراء أحياء ومرتزقة من الشرق والغرب، وصار الجيش اللبناني هو سبب النكبة!! خفة وتبسيط وعزف على أوتار المآسي، لا يضاهيه في اللامسؤولية إلا أولئك الذين غاصوا في التنظير لما افترضوا باطلاً أنه صواب.
صفحات على مواقع التواصل تضجّ بكميات من التحريض والعنصرية والأنانيات، مقاربات جوفاء وسطحية لقضايا شائكة وعميقة، فضاء بلا ضوابط أو أخلاقيات، وحفلات من الشعبويات والإدعاءات والوطنيات الزائفة والمظلوميات الممنتجة والكلام غير المسؤول. هروب من واقع المآسي إلى دوامات الخوف غير المبرر، ونفثٌ لأحقاد ونوازع شوفينية كلا الشعبين المتعبين المـتألمين بغنى عنها، لأنهما، مهما طالت مأساة الحاضر، محكومون بمسلمات التاريخ وحتميات المستقبل.
في مقاربة السلطة السياسية (في البلدين) والمجتمع الدولي ومؤسسات الإغاثة لملف النزوح من أول يوم للأزمة السورية، مائة ثغرة وألف "فضيحة" يمكن الحديث عنها، وتتجاوز بأضعاف بعض تداعيات إجراءات الأمن الوقائي التي يقوم بها الجيش في بعض مخيمات النزوح؛ هل سمع هؤلاء بتجارة أعضاء البشر داخل المخيمات، وهل وصلت إليهم ممارسات الابتزاز الأخلاقي، ونهب المساعدات، وصرخات المتألمين، وفقدان جيل كامل لأدنى شروط العيش الكريم في التعليم والصحة والأمن والتمتع بدفء العائلة وحضن الوطن؟
لمصلحة من تصوير الجيش على أنه عدو للسوريين، ولمصلحة من تصوير السوريين النازحين المتألمين المستضعفين، هكذا ودفعة واحدة، بأنهم إرهابيون قتلة وأعداء للجيش؟
هكذا، وعلى هامش المأساة؛ ضجيج مزعج، والكثير الكثير من الفشل والعنصرية. اللاشيء يفتح شهية كثيرين على الكلام الفارغ، والاكثار منه بمناسبة وبغير مناسبة، وعلى هامشها أيضاً يعتاش هواة شن المعارك الوهمية على طواحين الهواء. إنه زمن الضحالة حيث تتفتح الشهيات على الخواء، في الشكل والمضمون.
عندما ينبري السوقة والمرتزقة وتجار المآسي لإعطاء شهادات في الوطنية فهذا من علامات انهيار القيم وتفكك الدول وتصدع المجتمعات. وعندما ينزلق العقلاء للتماهي مع عبث الصغار فهذا دليل أنهم لم يتعلموا من تجارب الماضي ودروس المحنة، وأنهم مرشحون لتكرار ذات الأخطاء لأن التاريخ، بحسب ماركس، يعيد نفسه، في المرة الأولى كمأساة، وفي الثانية كمهزلة.