بينما ترتفع حدّة الجدل في الأوساط السياسيّة العالميّة حول جدوى مواصلة فرض العقوبات الأميركيّة على روسيا، وخصوصًا في ظلّ استمرار ظهور المؤشِّر تلو الآخر على أنّها ليست في نهاية المطاف أكثر أو أقلّ من سلاحٍ ضعيفٍ وغيرِ فعّالٍ وغالبًا ما يرتدّ على حامليه، وكذلك بعدما أصبح في حكم المؤكَّد، وبلغة الأرقام، أنّ الولايات المتّحدة وحدها راحت تخسر حوالي مليارين ومئتيْ مليون دولارٍ سنويًّا جرّاء فرضها، فإنّ إدارة الرئيس فلاديمير بوتين ما زالت تسعى في المقابل بهدوءٍ إلى اتّخاذ كافّة الإجراءات الكفيلة بالحدّ من تأثيرات هذا الواقع الجديد على الداخل الروسيّ، سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا، وهي الإجراءات التي صارت ترتكز اعتبارًا من شهر تمّوز الفائت، حسب ما بات معروفًا، على أساس مبدأ المعاملة بالمثل.
وسط هذا الجدل، كان لافتًا أن يبادر موقع "بيزنيس إنسايدر" الإخباريّ الأميركيّ نهار أمس الثلاثاء إلى نشر مقالٍ تحليليٍّ يوضح فيه ما وصفه بـ"الطرق المثلى لردّ موسكو على العقوبات الأميركيّة"، الأمر الذي بدا للوهلة الأولى وكأنّه محاولةٌ جادّةٌ ونزيهةٌ تستهدف وضع النقاط على الحروف، لو لم تَفقد على الفور الكثير من سمات براءتها، ولا سيّما بعدما دعا المقال روسيا إلى استخدام نفوذها في الاتّحاد الأوروبيّ عن طريق التلويح بورقة إمدادات الطاقة من النفط والغاز، بما يؤهُّلها لممارسة مختلف أشكال الضغوط الاقتصاديّة على الدول التي يمكن أن تشكِّل تهديدًا لها، وهي الدعوة التي سرعان ما كشفت عن أنّها تحمل في طيّاتها نوايا مبيَّتةٍ تصبّ في مصلحة الولايات المتّحدة وليس في مصلحة روسيا، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ الإدارات المتعاقبة على الحكم في البيت الأبيض، سواءٌ كانت جمهوريّة أم ديمقراطيّة، لم تدّخر جهدًا إلّا وبذلته منذ مطلع الألفيّة الثالثة ولغاية يومنا الراهن من أجل إخراج الشركات الروسيّة من أسواق الطاقة الأوروبيّة، علاوةً على أنّ قانون العقوبات الأخير الذي وقّعه الرئيس دونالد ترامب يوم الثاني من شهر آب الجاري كان قد تحدّث بصراحةٍ تشبه الوقاحة عن أنّ الأميركيّين سيواصلون معارضتهم لمشروع بناء خطّ أنابيب "الدفق الشماليّ – 2" الذي يُفترض أن يعزِّز قدرات روسيا في مجال تلبية احتياجات أسواق الطلب في مختلف أنحاء أوروبا، جنبًا إلى جنبٍ مع خطّيْ "الدفق التركيّ – 1" و"الدفق التركيّ – 2"، وهما الخطّان اللذان سيُخصَّص الأوّل منهما لتلبية احتياجات السوق المحلّيّ التركيّ، بينما سيُخصَّص الثاني ليكون بديلًا لخطّ "الدفق الأوكرانيّ" الذي تمرّ عبره كمّيّات محدَّدة من صادرات الغاز الروسيّ إلى الأسواق الأوروبيّة، والذي تشي المعلومات المتوافرة بأنّ موسكو عازمةٌ على عدم تجديد العقد الموقَّع بشأنه مع كييف بعد انتهاء مدّة صلاحيّته في وقتٍ لاحقٍ من العام المقبل، وذلك بسبب النزعة العدوانيّة التي لا تزال تطغى على سلوكيّات الحكومات الأوكرانيّة حيال روسيا منذ انقلاب عام 2013 ولغاية اليوم.
ولعلّ ما يعزِّز الاعتقاد أكثر بوجود نوايا مبيَّتةٍ لموقع "بيزنيس إنسايدر" الأميركيّ ضدّ روسيا، يتمثّل في أنّ المقال المذكور، وإنْ كان قد تضمّن أرقامًا دقيقةً ومفصَّلةً حول النِسب المئويّة لاستهلاك كلّ دولةٍ أوروبيّةٍ من النفط والغاز الروسيّ على حدة، ولكنّ تركيزه على الإشارة إلى أنّ فرنسا التي تستورد معظم احتياجاتها من الذهبيْن الأسود والأزرق من أفريقيا والشرق الأوسط يمكنها أن تتحمّل "نهجًا أكثر عدوانيّةً تجاه موسكو"، بدا وكأنّه يندرج في سياق محاولةٍ مشبوهةٍ تستهدف دقّ إسفينٍ بين قصريْ الكرملين والإليزيه، ولا سيّما بعدما دلّت كافّة المؤشِّرات المتعلّقة بالزيارة السريعة التي قام بها الرئيس فلاديمير بوتين للعاصمة الفرنسيّة في أواخر شهر أيّار الماضي، وبلقائه هناك مع الرئيس إيمانويل ماكرون، على أنّ العلاقات بين الجانبين آخذةٌ بالارتقاء إلى مستوياتٍ أفضل بكثيرٍ ممّا كانت قد وصلت إليه خلال عهديْ الرئيسين السابقين نيكولا ساركوزي وفرانسوا هولاند، ولدرجةٍ دفعت المراقبين إلى عدم التردُّد في القول إنّ الوهج السياسيّ الذي أحدثه الثلاثي فلاديمير بوتين – جاك شيراك – غيرهارد شرودر في مطلع القرن الحادي والعشرين أوشك على أن يسطع مجدَّدًا في هذه الأيّام، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ ما ينطبق على التحسُّن الملحوظ في العلاقات الروسيّة – الفرنسيّة لا يختلف في الشكل أو في المضمون مع ما ينطبق أيضًا على العلاقات الروسيّة – الألمانيّة في هذه الظروف الدقيقة من عهد المستشارة أنجيلا ميركل، الأمر الذي لا بدّ من أن يبشِّر في المحصّلة النهائيّة بأنّ مرحلة تصحيح الخلل الذي أصاب جسم العلاقات الدوليّة في زمان التفرُّد والاستفراد الأميركيّ بالقرارات الخاصّة بمصائر الأمم والشعوب أصبحت على الأبواب.. وحسبي أنّ البداية ستكون بانقلاب السحر على الساحر داخل الولايات المتّحدة هذه المرّة، عاجلًا أم آجلًا، حيث لا عقوباتٍ اقتصاديّةً ستنفع، ولا نوايا صحافيّةً مبيَّتةً، ولا من يحزنون.. وإنّ غدًا لناظره قريبُ!