في موازاة ما بات واضحًا كعين الشمس عن نجاج روسيا في وضع الأسس التقنيّة واللوجستيّة الكفيلة بتعزيز حضورها السياسيّ والعسكريّ على الساحة السوريّة بما يضمن البقاء هناك إلى أمدٍ طويل، يبدو أنّ الولايات المتّحدة عازمةٌ على انتهاج الخطّ نفسه سعيًا إلى تحقيق نجاحٍ مماثلٍ، ولكنْ على الساحة الأوكرانيّة، وذلك بعدما أعلنت البحريّة الأميركيّة عبر موقعها الإلكتروني نهار أوّل من أمس الجمعة أنّها بصدد البدء ببناء قاعدةٍ عسكريّةٍ مخصَّصةٍ لقوّاتها في منطقة أوتشاكوف المطلّة على البحر الأسود، الأمر الذي تشي مؤشِّراته الأوّليّة بأنّه يندرج في سياق خطوةٍ تكتيكيّةٍ إنْ دلّت في الوقت الراهن على شيء، فهو أنّ رقعة الخلافات على المصالح الحيويّة بين واشنطن وموسكو في ملفّيْ الأزمتين السوريّة والأوكرانيّة ما زالت آخذةً بالاتّساع، خلافًا لما كانت أجواء لقاء الرئيسين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين الشهر الفائت في هامبورغ قد بشّرت به في هذا المجال، تمامًا مثلما تدلّ أيضًا على أنّ أمد لعبة الكرّ والفرّ الأميركيّة – الروسيّة التقليديّة والدارجة منذ سنواتٍ طويلةٍ من الزمان على المسرح الدوليّ لا بدّ من أن يطول اعتبارًا من الآن وحتّى إشعارٍ آخر، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار مجموعةً من العوامل الجديدة التي كانت بمثابة زيتٍ صُبَّ على نار الخلافات المذكورة بين الجانبين، والتي تمثَّل آخرها في تشديد العقوبات الأميركيّة المفروضة على روسيا منذ عام 2014 بسبب قيامها بضمّ شبه جزيرة القرم على خلفيّة تداعيات الأزمة الأوكرانيّة حينذاك.
وعلى رغم أنّ تلك الخطوة الروسيّة تمّت في الأساس للردّ على الدور الذي لعبته الولايات المتّحدة في دعم انقلاب اليمين الأوكرانيّ المتطرّف ضدّ نظام الرئيس فيكتور يانوكوفيتش، والذي وصل إلى حدّ رصد ميزانيّةٍ بقيمة خمسة مليارات دولارٍ لهذه الغاية، وكذلك إلى حدّ قيام مساعدة وزير الخارجيّة الأميركيّ للشؤون الأوروبيّة والآسيويّة فيكتوريا نولاند بالنزول شخصيًّا إلى "ميدان الاستقلال" وسط العاصمة كييف لتأجيج الانقلابيّين والشدّ على أياديهم، بما يُعتبَر تدخُّلًا سافرًا في شؤون دولةٍ أجنبيّةٍ وفقًا لكلّ الأعراف والقوانين الدوليّة، فإنّ غموض سياسة المعايير المزدوجة التي لازمت سلوكيّات إدارات البيت الأبيض لدى التعاطي على مرّ التاريخ مع إدارات قصر الكرملين، سواءٌ أثناء الحقبة الشيوعيّة أم خلال السنوات التسع العجاف التي تلت تفكُّك الاتّحاد السوفييتيّ أم في أعقاب ظهور "العقيدة البوتينيّة" في اليوم الأوّل من أيّام القرن الحادي والعشرين، كان قد تجلّى ذات مرّةٍ بعدما غضّت واشنطن النظر عن قيام زعيم حركة "القطاع الأيمن" المتطرِّفة ديمتري ياروش بدعوة صديقه أمير "دولة شمال القوقاز الإسلاميّة" دوكو عمروف إلى مؤازرة الحركة الانقلابيّة الأوكرانيّة عن طريق استهداف التجمُّعات الروسيّة بعمليّاتٍ عسكريّةٍ، أي إرهابيّةٍ، حيثما تتسنّى له الفرصة للقيام بذلك، قبل أن يبلغ مستوى غموض المعايير المزدوجة المذكورة منتهاه لدى فرض العقوبات الأميركيّة – الأوروبيّة على روسيا التي كانت تدافع في الأصل عن أمنها القوميّ في
مواجهة مخاطر الانقلابيّين ومَن يقفون وراءهم، وهي العقوبات التي جرى تشديدها مؤخَّرًا بناءً على قانونٍ خاصٍّ أُعِدَّ لهذه الغاية، وتمّت الموافقة عليه بأغلبيّةٍ ساحقةٍ في مجلسيْ النوّاب والشيوخ، قبل أن يدخل حيِّز التنفيذ في أعقاب دمغه بتوقيع الرئيس ترامب في وقتٍ سابقٍ من الأسبوع الماضي.
من هنا، كان لافتًا أن يبادر الخبير العسكريّ الروسيّ فيكتور موراخوفسكي إلى القول إنّ الإعلان عن رغبة الولايات المتّحدة في بناء القاعدة العسكريّة الجديدة في أوكرانيا يأتي في سياق محاولةٍ تطمح إلى الانتقام للفشل الأميركيّ في القرم، مذكِّرًا بأنّ واشنطن لطالما سعت إلى تحويل البحر الأسود إلى بحيرةٍ داخليّةٍ تابعةٍ لحلف شماليّ الأطلسيّ من دون أن يُكتب لها النجاح في تحقيق ذلك في أيّ يومٍ من الأيّام.
ولكن إلى أيّ مدى يا ترى يمكن أن ينجح الأميركيّون هذه المرّة في تحويل حلمهم إلى حقيقةٍ إذا ما قُدِّر لهذه القاعدة أن تُبنى في منطقة أوتشاكوف بالفعل؟
سؤالٌ، أغلب الظنّ أنّ الإجابة عنه لا بدّ من أن تخضع لأسس المبدأ الذي لا يزال قيد التداول منذ قرابة الثلاثة أعوامٍ من الزمان والقائل بأنّ روسيا ظلّت تختبر خلال هذه المدّة قوّة الأميركيّين في أوكرانيا بينما كانت الولايات المتّحدة تختبر قوّة الروس في سوريا، وهي الاختبارات التي أظهرت نتائجها لغاية يومنا الراهن بما لا يترك أيّ مجالٍ للشكّ، وباعترافٍ أميركيٍّ، أنّ الروس نجحوا بامتيازٍ في مجال التحكُّم ببراعةٍ في مسار الأزمة السوريّة تمهيدًا لفضّها بينما لا تزال الشكوك تحوم، وباعترافٍ عالميٍّ، حول إمكانيّة نجاح الأميركيّين في مجال وضع الأزمة الأوكرانيّة على سكّة التسوية والحلّ، الأمر الذي يبدو كافيًا في هذه العجالة لتحديد الفرق ما بين جدوى سياسة "الوضوح البنّاء" التي تنتهجها روسيا وما بين عبثيّة سياسة "الغموض البنّاء" التي تنتهجها الولايات المتّحدة.. وما على العالم سوى وضع رهاناته في المكان المناسِب إذا ما أراد القيّمون عليه أن يكون آمنًا.. والخير دائمًا من وراء القصد!