بعدما كان وزير الخارجيّة الروسيّ سيرغي لافروف قد أكّد البارحة بصراحةٍ مطلقةٍ على عدم استعداد بلاده لدعم ما وصفه بالأفكار التي يستمرّ بعض "الشركاء" في طرحها من أجل خنق كوريا الشماليّة اقتصاديًّا، سعيًا إلى إلزامها بتطبيق قرارات مجلس الأمن الدوليّ المعروفة من دون الأخذ في الاعتبار النتائج السلبيّة والمأساويّة التي يمكن أن تترتَّب جرّاء ذلك على المستوى الإنسانيّ في أوساط المواطنين هناك، لافتًا إلى أنّ إمكانيّة ممارسة ضغوطٍ اقتصاديّةٍ على بيونغ يانغ في هذا المجال "استُنفدت عمليًّا"، على حدّ تعبيره، جاءت التحذيرات التي أطلقتها المتحدِّثة باسم الوزارة ماريا زاخاروفا صباح اليوم بخصوص فرضيّة تخطّي النزاع القائم مع الولايات المتّحدة حدود شبه الجزيرة الكوريّة وتمدُّده في العالم لتعكس المزيد من المؤشِّرات على حجم قلق موسكو حيال تفاقم الأوضاع الراهنة، ولا سيّما أنّ هذه التحذيرات تزامَنت مع نشر تسريباتٍ على درجةٍ عاليةٍ من الخطورة حول "قيام وزارة الدفاع الأميركيّة بنقل أسلحةٍ وعتادٍ ودبّاباتٍ إلى موانئ المحيط الهادئ وخليج المكسيك، تمهيدًا لإرسالها بالسفن إلى أماكنَ ومواقعَ أخرى"، الأمر الذي كان كافيًا لكي يُنذر بأنّ ثمّة حربًا حقيقيّة أصبحت بالفعل على الأبواب.
وبحسب التسريبات التي نقلتها وكالة "سبوتنيك" الروسيّة عن موقعٍ متخصِّصٍ في الشؤون الاستراتيجيّة على شبكة الإنترنت، فإنّ أحد المدوِّنين العسكريّين الأميركيّين كشف عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ صورًا ومقاطع فيديو توثِّق تحرُّكات الجيش الأميركيّ في أماكنَ مكشوفةٍ مختلفةٍ، من بينها ولاية تكساس، حيث نقلت وزارة الدفاع أكثر من مئةٍ وخمسين آليّةً عسكريّةً إلى الميناء استعدادًا لشحنها، مشيرًا إلى أنّ هذه التحرُّكات التي بدأت قبل عدّة أيّامٍ تشي بأنّ الوزارة "تتحضَّر لشيءٍ ما"، وموضحًا أنّ عمليّة تعقُّب بعض السفن التي قامت بشحن المعدّات والآليّات العسكريّة من خلال تطبيقٍ خاصٍّ بالنقل البحريّ أظهرت أنّها توجَّهت إلى موانئ أميركيّةٍ شماليّةٍ تُعرف بأنّها تشكِّل عادةً نقاطَ إمدادٍ لكوريا الجنوبيّة، الأمر الذي يدفع على الاعتقاد بأنّ النزاع بين واشنطن وبيونغ يانغ أوشك في هذه الأيّام، وأكثر من أيّ وقتٍ مضى، على الوصول إلى مستوى ترجيح كفّة "قيام الولايات المتّحدة بتوجيه ضربةٍ مباشِرةٍ لكوريا الشماليّة"، على حدّ تعبير المدوِّن العسكريّ الأميركيّ.
ولعلّ ما يعزِّز هذا الاعتقاد يتمثّل في عدم ظهور أيّ مؤشِّرٍ جدّيٍّ يمكن للمراقبين البناء عليه لغاية الآن حول إمكانيّة تراجع الرئيس كيم يونغ أون بشكلٍ نهائيٍّ عن اعتزامه استهداف جزيرة غوام الأميركيّة بصواريخَ باليستيّةٍ، ولا سيّما أنّ القرار الذي تمّ اتّخاذه قبل يومين بشأن إرجاء موعد توجيه هذه الضربة، "انتظارًا لما سيفعله الجانب الأميركيّ في المقابل"، لا يعني بالضرورة إلغاءها أو شطبها من الحسابات، حتّى ولو أنّ الرئيس دونالد ترامب سارع إلى وصف القرار المذكور بـ "الحكيم والمنطقيّ" باعتباره أدّى إلى تجنيب العالم مخاطر مواجهة الكارثة.
على هذا الأساس، وإذا ما أخذنا في الاعتبار أنّ تجارب الأشهر الثمانية الماضية من عمر الإدارة الأميركيّة الحاليّة علّمتنا الكثير من العِبَر عن أنّ مواقف الرئيس ترامب حيال الملفّات الساخنة والشائكة في العالم غالبًا ما كانت مزاجيّةً وبهلوانيّةً ولا يمكن البناء عليها، يُصبح من المنطقيّ جدًّا البناء في المقابل على تحذيرات المتحدِّثة باسم وزارة الخارجيّة الروسيّة الآنفة الذكر بخصوص فرضيّة تخطّي النزاع الأميركيّ – الكوريّ الشماليّ حدود المنطقة وتمدُّده في العالم، ولا سيّما أنّ تجارب الماضي علّمتنا الكثير عن أنّ السيّدة زاخاروفا لطالما اشتهرت بدقّة معلوماتها وبقدرتها عن انتقاء مفرداتها بعنايةٍ فائقةٍ بعيدًا عن كافّة أشكال التهويل والتضخيم.
وإذا كانت هذه التحذيرات قد وصلت إلى حدّ عدم التردُّد في الإعلان عن أنّ العالم سيشهد تنفيذ "سيناريو كارثيٍّ" في حال نفَّذت الولايات المتّحدة ما توجِّهه من تهديداتٍ إلى جمهوريّة كوريا الشعبيّة الديمقراطيّة، فأغلب الظنّ أنّ مردّ ذلك يعود إلى ما في حوزة الإدارة الروسيّة من تقاريرَ استخباراتيّةٍ حول وجود مراكز قوى أميركيّةٍ نافذةٍ ما زالت تسعى منذ أيّام الحملة الانتخابيّة العام الماضي ولغاية يومنا الراهن إلى جعل بداية عهد الرئيس ترامب كارثيّةً، أملًا في "تطويعه" لاعتباراتٍ داخليّةٍ بحتةٍ بما يتناسب مع مصالحها وخططها، وهي القوى التي كان منظِّر الحركة الأوراسيّة الجديدة البروفسور ألكسندر دوغين قد وصفها في أكثر من مناسَبةٍ بأنّها تمثِّل "نخب العولمة المهووسة".
من هنا، يُصبح في الإمكان القول بكلّ أمانةٍ إنّ "سيناريو نهاية العالم"، على حدّ تعبير ماريا زاخاروفا، لم يَعُد يحتاج لوضعه حيِّز التنفيذ إلى أكثر أو أقلّ من مجرَّد كبسةِ زرٍّ بإصبع "عولميٍّ مهووسٍ"، على حدّ تعبير ألكسندر دوغين، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ العالم بأسره لا يزال يلتزم الصمت حيال ما يجري حوله تحت تأثير عقليّة الانبهار ببدعة "التفوُّق الأميركيّ" عليه.. وأغلب الظنّ أنّ هذا العالم سيبقى عاجزًا عن الكلام حتّى إشعارٍ آخَر، بينما سيبقى باب التكهُّنات بشأن مصيره مفتوحًا على كلّ الاحتمالات.