أكد وزير الداخلية نهاد المشنوق من قصر بعبدا في 13 تموز الماضي أن القانون "ينص على أن الدعوة الأولى للانتخابات الفرعية يجب أن توجه قبل شهرين من هذه الانتخابات، أي في 17 تموز. والدعوة الثانية والأخيرة يجب أن توجه في 17 آب، أي قبل شهر من إجراء الانتخابات، لأن الموعد الأخير الذي يتناسب مع موعد بدء المدارس هو الأحد 24 أيلول، الذي من الممكن أن تتم فيه الانتخابات الفرعية".
ضربت حكومة "استعادة الثقة" الدستورعرض الحائط. ويبدو أنه سيضرب بها المثل على مخالفاتها الدستورية. فالمادة 43 التي وردت في قانون الانتخاب الجديد نصت على أنه "اذا شغر أي مقعد من مقاعد مجلس النواب بسبب الوفاة أو الاستقالة أو ابطال النيابة أو لأي سبب آخر، تجري الانتخابات لملء المقعد الشاغر خلال شهرين من تاريخ الشغور، أو من تاريخ نشر قرار المجلس الدستوري القاضي بإبطال النيابة، في الجريدة الرسمية في حال بقي من ولاية المجلس أكثر من ستة أشهر". هذا النص ينطبق على واقع الحال اليوم. العماد ميشال عون انتخب في 31 تشرين الأول 2016، والنائب بدر ونوس توفي في 6 كانون الثاني 2017، والنائب روبير فاضل استقال في 30 اذار 2016.
مر تاريخ 17 آب يوم أول من أمس مرور الكرام. لم يحرك أي من أصحاب المعالي ساكناً. ربما اعتادوا على سماع النغمة نفسها (ليرجىء البحث إلى الاسبوع المقبل) كلما فاتح وزير الداخلية المعنيين في مجلس الوزراء باقتراب موعد الانتخابات الفرعية. فرئيس الحكومة تعمد، وفق بعض الوزراء، مواربة في أكثر من جلسة، الإيحاء بأن هناك ملفات أكثر أهمية من "الفرعية" تتطلب الدرس والإقرار. هذه المعلومات الوزارية تتقاطع مع تأكيد وزير الداخلية أنه لم يجد حماسة عند الأفرقاء السياسيين لملء شواغر مقاعد كسروان (1) وطرابلس().
فهل طارت الانتخابات الفرعية؟
تؤكد مصادر"عونية معارضة" وجود تفاهم سياسي غير معلن بين الرئيس الحريري ووزير الخارجية جبران باسيل لعدم حصول الانتخابات الفرعية في كسروان وطرابلس. قد تشكل انتخابات كسروان لرئيس "التيار الوطني الحر" إحراجاً شعبياً له، خصوصاً أن قائد فوج المغاوير السابق العميد شامل روكز هو المرشح في هذه الدائرة عن المقعد الماروني الذي كان يشغله العماد ميشال عون قبل انتخابه رئيساً.
إن وصول "العديل" إلى الندوة البرلمانية قبل سبعة أشهر من الانتخابات النيابية في آيار 2018 سيشكل، بحسب العونيين المعارضين، حالة سياسية قد تهدد "زعامة جبران" للتيار، وربما أبعد من ذلك، لأن باسيل لا يشتغل آنياً بل يتطلع إلى المستقبل (الانتخابات الرئاسية). والعميد المغوار ارتفعت شعبيته كثيراً منذ انتخاب العماد عون رئيساً. يضاف إلى ذلك، لا يريد وزير الخارجية أن يدخل قائد فوج المغاوير السابق البرلمان نائباً قبله، فالعقدة الباسيلية التاريخية المتمثلة بخساره الانتخابات النيابية في 2005 و2009 لم يتم تجاوزها بعد.
أما الانتخابات الفرعية في طرابلس لملء شغور المقعد العلوي بوفاة النائب ونّوس والمقعد الأرثوذكسي بفعل استقالة النائب فاضل فأشد تعقيداً. هذه الانتخابات، وفق مصادر مطلعة في 8 آذار، ستكون "بوانتاج" لقدرة الحريري الشعبية في دائرة هي من أهم الدوائر التي تحدد الزعامة السنية في لبنان.
الانتخابات في عاصة الشمال ستحدد المعايير والقدرة العامة الحريرية، وبالتالي لا يرى رئيس الحكومة مصلحة في الدخول بامتحان بهذه القسوة وبهذا التوقيت. قاعدته الشعبية لا تزال متضعضعة. وهذا ما تأكد خلال قيامه والأمين العام لتيار "المستقبل" أحمد الحريري، كل على حدة، بزيارات إلى طرابلس، إذ أجمع المراقبون على أن جولاتهما ذات الأهداف الانتخابية، لم تكن ناجحة على المستوى الشعبي، وبالتالي لن ينفعه تدشين محطة تحويل الكهرباء في البحصاص في ايقاف عجلة التراجع شعبياً. وبحسب مسؤوليين بارزين في "التيار الوطني الحر"، فإن هناك همساً عن أن الانتخابات في ايار 2018 لن تحصل، إذا بقي وضع الحريري الشعبي مترنحاً.
لا يريد الشيخ سعد لمعركة انتخابية فرعية أن تكون ساحة لتصفية الحسابات، فهو يرى، في الرئيس نجيب ميقاتي "الصلب" ، الخصم الحقيقي دائماً وأبداً والذي لا يمكنه أن يتفوق عليه شمالاً، فضلاً عن أن أزمته مع الوزير السابق اللواء اشرف ريفي في ذروتها، تقول المصادر نفسها .
لذلك يظن رئيس "التيار الأزرق" أن التحالفات الكبرى في انتخابات ايار 2018 إذا جرت، قد تغطي الكثير من العورات التي قد تظهرها الانتخابات الفرعية في حال إجرائها. كل ذلك بمعزل عن أن طائفة المقعدين ستفضح قدرته على التجيير لنائبين محسوبين عليه من الطوائف الأخرى.
وسط هذا المشهد، يمثل عدم إجراء الانتخابات الفرعية فضيحة للحكومة ولرئيسها. الحديث عن ضرورة "العبور إلى الدولة" واحترام الدستور والالتزام به، ذهبوا دوساً تحت أقدام المصالح الانتخابية. يأتي ذلك في سياق مجموعة الملفات التي باتت محل استنكار وتساؤل لدى الرأي العام كمناقصات الكهرباء وموازنة وزارة الاتصالات، والمحاسبين المجازين والناجحين في مجلس الخدمة المدنية الذين لم يُلحقوا بأي وظيفة لأسباب طائفية.
لكن هل سيتحرك المجلس النيابي ويسائل الحكومة؟ رئيس المجلس النيابي نبيه بري دعا إلى جلسة مناقشة عامة يومي الثلاثاء والأربعاء. وغداً لناظره قريب.