من يراقب المشهد السياسي القائم على التنازلات، ولو من قبيل حفظ ما تبقّى من وجه ماء، يدرك أن السياسة في مكان والناس في مكان آخر، خصوصًا عندما لا تتطابق الأقوال المعسولة والوعود الفضفاضة بالأفعال المنتجية، وعندما يشعر المواطن بأنه متروك لمصيره من دون أن يقدّم له من هم في السلطة ما يخفّف من وطأة معاناته، وإن كان إقرار السلسلة بشكلها العشوائي والظاهري قد يبلسم بعض الجراح إلى حين، وإلى أن تعود الضرائب المفروضة لتأكل من صحنه ومن راتبه، مع ما يعني ذلك حتمية الوصول إلى حال من التضخم تضع لبنان على خط الدول المتعثرة إقتصاديًا وماليًا، ودفعه عاجلًا أم آجلًا إلى "يوننته" بعدما ارتبط إسم لبنان في مراحل ماضية بـ"القبرصة" أو "البلقنة"، وهي مرحلة كانت قاسية ولكن قساوتها، على رغم أن شبح التقسيم قد اصبح وراء اللبنانيين، لا تقّل عما يمكن أن ينتظرهم في حال إستمرت حكومة "إستعادة الثقة" غائبة عن السمع وتتلهى بالقشور من دون ولوج باب الحلول المنطقية التي تفرضها دقة الظروف الصعبة التي تعيشها البلاد بفعل تراكم الأزمات، فضلًا عن غياب المعالجات لأبسط الأمور.
ولأن لا قدرة ولا إرادة حقيقية لدى الحكومة لمعالجة المشاكل نرى من هم على رأسها يمارسون هواية الجري في الرمال الحارقة وسياسة الهروب إلى الأمام، وذلك بإلهاء الناس عن طريق إفتعال "حروب" وهمية مع الآخرين على طريقة مقارعة طواحين الهواء، وإن كان هؤلاء الآخرون في مكان آخر من ضفّة الإهتمام بشؤون المواطنين بما تسمح به الظروف للتخفيف قدر الإمكان من عبء المشاكل الكثيرة التي يعانون منها، وذلك من خلال بعض المشاريع التي تعود بالنفع العام لأكثر من منطقة لا تزال بفعل عدم تطبيق سياسة الإنماء المتوازن محرومة من الحدّ الأدنى من مقومات العيش بكرامة ومن دون تمنين من أحد.
فالمشكلة الأساسية ليست مع من عضّ على الجرح أكثر من مرّة وتعالى عما تعرّض له من حملات، ولو في غير محلها، ومدّ له يد التعاون يوم كان الأقربون يحاولون إقتناص الفرص وإستغلال أدّق التفاصيل لسحب بساط ما يُسمى زعامة من تحت الأقدام، ومحاولة إطالة فترة الدوران حول الذات، مع ما رافق ذلك من تخبّط وضياع وفراغ.
المشكلة الأساسية ليست مرتبطة بمنطقة معينة أو حيّ أو زاروب أو منافسة ضيقة ومحصورة في مكان وزمان، بل هي في البعد الوطني بين نهجين وفكرين مختلفين، الأول يسعى إلى تعويم ما فاته خلال السنوات العجاف، والثاني هو إستمرارية ممنهجة وفق قناعات لا تتبدّل ولا تتغير مع تبدّل الظروف والمناخات. وهذا ما يحدث فرقًا في التعاطي مع كل تطور وحدث يكون الهدف الأول والأخير المواطن اللبناني، الذي ينتظر مشاريع نائمة في الأدراج ويريد أن يأكل عنبًا وليس قتل الناطور، وهو الذي سئم الوعود والكلام الذي يُفرح عند سماعه ويحزن عند التنفيذ، أو بالأحرى عدم ترجمة هذا الكلام إلى واقع ملموس ومشاريع إنمائية تطاول المناطق الأكثر حرمانًا من غيرها، وطرابلس العاصمة الثانية وعاصمة الشمال واحدة من هذه المناطق المحرومة من إهتمام أهل السلطة.
الفرق واضح ولا يحتاج إلى مناظرات، خصوصًا أن الشمس "طالعة والناس قاشعة"، وهو لا يحتاج إلى الكثير من الشروحات والأدلة الدامغة. وهذا ما يستفزّ البعض، لأن بعضًا من هذا البعض لا يستطيع التمييز بين المعارضة البناءة والهادفة إلى تصحيح الإعوجاج وتصويب الخلل، وبين معارضة من أجل المعارضة فقط، ولذلك يحاول هذا البعض أخذ الأمور إلى غير أماكنها الصحيحة، والتي تهدف إلى ذرّ الرماد في العيون وإثارة زوابع في فناجين فارغة.